على أنّ القضية لا تتصل بالزمن ، لأن خصوصية الزمان في مثل هذه الأمور تابعة للجانب الواقعي العملي الذي تختلف فيه الأمة من زمن إلى زمن ، وهذا غير مراد من الآية ـ في ما يظهر ـ. أمّا ما ذكره صاحب تفسير الميزان فهو مخالف للظاهر ، من خلال ما استظهرناه من جهة ؛ ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت في الوقت الذي كانت حركة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة مستمرة في حياة المسلمين ولم تكن منفصلة عن ذلك الجوّ ، فكيف يمكن أن تتكلم عن الموضوع بصفة الماضي ، الذي قد يوحي بتبدّل الصفة إلى نقيضها؟! أمّا تفسير الإيمان بالله ، بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق ، فغير واضح ، بل ربما كان من القريب جدا ، أن يكون المراد منه معناه الحقيقي على أساس ارتباط الدور بالجانب العقيدي الفكري الذي يمثله الإيمان بالله ، وبالجانب التطبيقي العملي الذي يمثله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(كُنْتُمْ) أيها المسلمون في انطلاقكم في الحياة كجماعة موحدة على أساس الخط الفكري والعملي من خلال رسالة الله التي أراد للناس ـ من خلالها ـ أن يتوحدوا في أوضاعهم العامة والخاصة ، (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) أي خير جماعة ظهرت للناس في وجودها الحركي القيادي الذي يتحوّل فيه كل مسلم إلى داعية لله ، وعامل في خط التغيير الفردي والاجتماعي بعيدا عن الفردية الذاتية في اهتماماتها الخاصة على أساس عبادتها وأخلاقيتها في خط الإيمان ، لأن الإسلام يريد للمسلم أن يحمل في داخل شخصيته شخصية الأمة في حركة مسئوليته عن الأمة كلها في حدود استطاعته ، وبهذا تكون الأفضلية أو «الخيرية» مطلقة من خصوصية المضمون الفكري والدور العملي لهذه الجماعة ، لا من خصوصية الذات في ذاتية الانتماء من حيث ذاته.
وقد تعددت التطبيقات في التفاسير في مصداق هذه الجماعة من حيث اختصاصها بأشخاص معينين ، أو شمولها للمسلمين كلهم ، فقيل (١) : هم
__________________
(١) انظر : مجمع البيان ، ج : ٢ ، ص : ٨١١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
