يقيمها الآخرون أمام حرية الإسلام في الدعوة ، أو التي تواجه التمرد المنحرف الذي يقوم به الأفراد في المجتمعات الإسلامية ، فهي أمّة قائدة لمجتمعها ومجتمعات الآخرين من حيث الدور الذي أنيط بها ، بينما كانت الرسالات الأخرى ، في ما حدثنا القرآن عنه من حديث الأنبياء ، تعمل على أساس التغيير بالموعظة والكلمة الطيبة والأساليب الهادئة مما يجعل منها رسالة دعوة مجرّدة ، تماما كما هي الآية الكريمة : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة : ١٤٣] ؛ وإذا كانت قيمة الأمة من حيث الدور لا من حيث الذات ، فإن الحكم على واقعها العملي تابع لقيامها بهذا الدور ، ولكن ذلك لا يمنع من بقاء هذه الصفة من حيث الخط الذي وضع لها ...
وقد أثار المفسرون ـ في تفسير هذه الآية ـ الحديث حول كلمة «كان» ، هل هي متضمنة للزمان في معناها ، فيكون الحديث عن التفضيل في زمان سابق ، أو هي غير متضمنة له ، فتكون واردة لبيان أصل المبدأ؟! وقد اختار بعض المحققين من المفسرين الوجه الأوّل ، واستظهر أن «الآية تمدح حال المؤمنين في أوّل ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والمراد بالإيمان هو الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق فيه في مقابل الكفر به ، على ما يدلّ عليه قوله قبل : (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) الآية ، وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا ، فيؤول المعنى إلى أنكم معاشر أمّة الإسلام كنتم في أوّل ما تكوّنتم وظهرتم للناس خير أمة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ...» (١).
وذهب أكثر المفسرين إلى الوجه الثاني وقالوا : إن كلمة «كان» قد تتجرد عن الزمان في بعض الحالات كما في الآيات التي تتحدث عن صفات الله مثل (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء : ٩٦]. ولكننا نلاحظ على هذا الموضوع ، أن الظاهر من الآية هو ورودها لبيان دور الأمة وقيمتها من خلال ذلك ، وهذا قرينة
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ٤٣١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
