إثارة النوازع والعصبيات القديمة من خلال الرواسب الكامنة في الأعماق ، مما قد يعيد للماضي في نفوسهم ضراوته وشدته. فإن وعي الأمة للواقع من خلال المبادئ العامة يمنح التحرك في نطاق العلاقات قوة كبيرة وامتدادا عميقا نحو الهدف الكبير الشامل ... وهذا ما أراد الله للأمة أن تعيه جيدا لتفهم أن الحالة الماضية كانت تضع المجتمع على حافّة الهاوية التي تشتعل وتتأجج بالنار التي تحرقهم في الدنيا والآخرة ، وأن المسيرة الجديدة في خطة العقيدة الجديدة تعتبر عملية إنقاذ من ذلك كله ، ليعيش الناس روحيّة الجنّة في علاقاتهم ومصيرهم ... وتختم الآية الحديث بالإشارة إلى أن هذه هي آيات الله التي يريد منها أن يضع للأمة العلامات الواضحة البيّنة على مفارق الطريق في مسيرة الحق أو الباطل ، لتكون الهدى للناس عند ما تضيع الخطوط أمام الرمال المتحركة التي تخفي عن الناس معالم الطريق ، ويريد للناس أن يجدوا الهدى في خطواتهم العملية التي تحوّل الفكرة إلى موقف ، وتركّز الموقف على أساس التقوى والإيمان.
إن الآية تعود إلى الحديث عن الاعتصام بالله ، ولكن بأسلوب آخر ، وهو الاعتصام بحبل الله ، لأن القضية التي تعالجها هذه الآية ليست قضية المسلم الفرد في ما يلتزم به ويحقق له سلامة المصير الفردي ، كما هو الحال في الآية السابقة ، ولكنها قضية المسلمين في حياتهم الاجتماعية ، في وحدتهم وتضامنهم على الخط الواحد ؛ ولهذا كان الحديث ينطلق في ما تتمثل به هذه الوحدة التي يرتبط بها الجميع ، أو يراد للجميع أن يعيشوا روح الارتباط بها من ناحية عملية لا من ناحية فكريّة مجرّدة ، لأن الاقتصار على الجانب الفكري الذاتي لا يوحي بوحدة الحركة أو الموقف في كثير من الحالات ، بل يبقى مجرد حالة فكرية توحي بالتعاطف والتلاقي في مجال الحوار والتأمّل ، ولذلك كان لا بدّ من أن يتحوّل الفكر إلى ممارسة ومعاناة وحركة تعيش في ساحة الواقع ، وتتدخل في المشاعر والعلاقات والانتماءات والحركة ... حتى يشعر الجميع بأن حياتهم تخضع للفكر في حالة اليقظة والنوم ، والحرب والسلم ، وفي الحياة الفردية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
