كلمتهم ورأيهم وسلطتهم على الفئات المستضعفة في المجتمع ـ كما هو واقعهم آنذاك ـ ولهذا جاؤوا إلى نبيهم الذي أرسله الله إليهم ـ في سلسلة النبوات الرسالية ـ ليتحدثوا معه حول المستقبل الذي يتطلعون إليه في حركة القوة كأصحاب رسالة مفتوحة على قضايا الإنسان والحياة. فقد انطلقت التوراة في عهد موسى ، لتكون قاعدة للتشريع والحكمة والحركة والقوة ، مما يجعل القائمين عليها في موقع الامتياز الكبير على المستوى المادي والروحي.
(إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ) اختلف المفسرون في اسمه ، فقال بعضهم : إنه صموئيل وهو بالعربية إسماعيل ، وقيل شمعون ، وقيل يوشع وغير ذلك مما لا جدوى من الحديث فيه. (ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ). وقد جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام ـ كما في المجمع ـ كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود ، والنبي يقيم له أمره ويثبته بالخير من عند ربه (١). ولعل هذا ما دعاهم إلى طلب تعيين الملك ، لأن النبي لم يكن في هذا الموقع من الناحية الفعلية. وقد أعطوا حركتهم المبتغاة عنوان القتال في سبيل الله ، لأن هذا العنوان هو الذي يمنح الصراع قدسيته ويخرجه من ماديته إلى عنوان الروح ، وهو الذي يستثير النفوس ويحولها إلى طاقة عظيمة منفتحة على الإيمان بالله ومنطلقة في سبيله ، فكأنها تؤدي واجبا دينيا في الحرب الدفاعية ، لا حاجة ذاتية في الواقع.
إن الظاهر ـ في هذه المرحلة أو في ما قبلها من مراحل النبوة في بني إسرائيل ـ هو توزيع الأدوار ، بين النبوة والملك ، فللنبي دور التوجيه والتربية والدعوة إلى الله والإشراف على تعيين المراكز القيادية ، وللملك دور الحرب والقتال والممارسة العملية للقيادة. ولهذا لم يطلب هؤلاء القوم من نبيّهم أن يقودهم للقتال ، كما هو الحال في الإسلام عند ما كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو الإمام هو الذي يقود الجيوش في المعارك الكبيرة ، بل طلبوا منه أن يعيّن لهم ملكا ،
__________________
(١) مجمع البيان ، ج : ٢ ، ص : ٦١١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
