الله لهم بهذا الخروج ، لأن ذلك لن يحل لهم المشكلة ، فللموت أسباب كثيرة تنتظر الناس في الطريق. فإذا هربوا من سبب التقوا بسبب آخر ، فكأن الله يريد لهم أن يواجهوا الموقف من موقع الصمود الواعي الذي يتعامل مع الحياة والموت بإرادة واعية ، لا تبتعد عن الواقع عند ما تقترب من الإيمان ... فأماتهم الله جميعا (فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا) ، ليعرفهم أن الموت بيده ، فهو الذي يحدد وقته من خلال حكمته في الكون بشكل مباشر أو غير مباشر ، فقد يأتي الموت للإنسان من حيث لا يحتسب ، وقد يتركه من حيث يرى أنه قادم إليه.
(ثُمَّ أَحْياهُمْ) بما يملكه من القدرة على الإحياء ، لأنه مالك الحياة والموت ليأخذوا العبرة من ذلك في ما يستقبلون من حياة جديدة ، فلا يهربون من الموت عند ما تدعوهم المسؤولية إلى مواجهة الخطر الذي يقترب بهم من الموت ، بل يقبلون عليه إقبال الإنسان الواثق بأن قضية الحياة والموت بيد الله ، ولا راد لقضاء الله تماما كما هو وحي الآية الكريمة في قوله تعالى :
(يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ) [آل عمران : ١٥٤] ...
وقوله تعالى في آية أخرى :
(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) [آل عمران : ١٤٥].
وهكذا كانت الآية تعبر عن صورة من صور الواقع بما توحيه من حكاية التاريخ في مدلولها اللفظي. وربما كان قوله تعالى لهم : (مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ). دلالة واضحة على أن للقضية وجها ماديا في ما تعنيه كلمة الحياة والموت ، لا سيما بعد حديثه عنهم بأنهم خرجوا من بيوتهم حذر الموت. فكأنه أراد أن يأخذهم بعكس ما قصدوه ، فقد فكروا بأن الخروج يحقق لهم النجاة من الموت ، فإذا به يلقيهم في منتصف الطريق.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
