العفو تقوى وانتصار على الذات
(إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) أي : المطلقات ، بحيث تسامح الرجل بما تستحقه عليه بشكل مباشر ، (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) وهو الّذي يملك الولاية بالذات من خلال التشريع كالأب أو الجد ، أو الذي يملكه من خلال تولية المرأة أمر العقد إليه ، كالوكيل المفوض ـ سواء أكان قريبا أم بعيدا ـ فإن له أن يعفو عن الزوج إذا رأي ذلك مصلحة للمولى عليه ، أو كان التفويض شاملا لذلك.
(وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) فإن الله يريد للإنسان أن ينتصر على حب المال في نفسه ، وأن يتنازل عن حقه من خلال إرادة القرب من الله ، وأن لا يرتبط بالأمور من خلال الحسابات المادية التي تضع المال في مقابل المال ، والمصلحة في مواجهة المصلحة. لأن ذلك قد يحقق للإنسان الدقة في حساباته في شؤون حياته ، ولكنه لا يحقق له السموّ الروحي الذي يتعالى فيه على الذات ، فيبقى مشدودا إلى النوازع الذاتية والوساوس الشيطانية والهواجس المرضية ، مما يبعده عن دائرة التوازن في نطاق المادة والروح.
ولذلك كان العفو عن الآخر وسيلة من وسائل تحصيل القوة ضد الذين يريدون إثارته في انفعالاته من أجل إيقاعه في الخطأ والخطيئة ، فيملك من خلال ذلك نفسه ، فلا يستطيع الآخرون إبعاده عن الخط المستقيم.
إن أيّ انتصار على الذات في جانب ما يمنح الإنسان قوة في الانتصار عليها في الجوانب الأخرى ، ولذلك يتحوّل العفو ليكون حركة تدريبية في تجربة الإنسان على تجاوز نفسه إلى الانفتاح على مواقع رضى الله ، مما يقرّبه من الانضباط الواعي في آفاق التقوى التي تمثل الثبات على المبدأ والإصرار
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
