الثاني ، وتعود العلاقة من جديد (فَإِنْ طَلَّقَها) للمرة الثالثة ، (فَلا تَحِلُّ لَهُ) بأية وسيلة من رجوع أو عقد جديد ، فقد حرمت عليه بالطلاق الثالث ، فلا مجال للعودة إليه (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ؛ وذلك بالعقد والدخول معا ، لما ورد في الحديث المأثور الذي يقول : «حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» (١) وهو كناية عن الالتذاذ بالجماع وعدم الاكتفاء بالعقد.
(فَإِنْ طَلَّقَها) من جديد ، أمكنه أن يرجع إليها تماما كما هو الحال في الطلاق الأول. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ) ، ولعل في هذا التقييد إشارة بأن المؤمنين لا يحاولون إعادة التجربة على أساس مزاج شخصي أو شهوة طارئة ، بل ينطلقون في ذلك كله من موقع الدراسة الواعية للموقف ، والاستفادة من تلك التجارب السابقة الفاشلة ، والشعور بضرورة عدم تكرارها إلا إذا أيقنا بإمكانية النجاح في ذلك ، مما يجعل الظن غالبا في إقامتهما لحدود الله من جديد ، لأن اليقين بذلك لا يتحقق في حسابات المستقبل ... (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) في الطلاق والرجوع (يُبَيِّنُها) ويوضحها (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فيتحملون مسئولية العلم فكرا وعملا في كل ما يريده الله منهم وما لا يريده.
وفي هذا إشارة إلى أن أحكام الله ، في ما أحله أو حرمه ، هي الحدود التي يقف الإنسان عندها في حركته في الحياة ، لأن في تجاوزها خطرا على مصيره في الدنيا والآخرة ، لما في ذلك من الوقوع في المفاسد ، ومن خسران المصالح في الدنيا ، باعتبار ارتكاز التشريع عليها في الجانب الإيجابي أو السلبي ، ولما فيه من التعرض لغضب الله الذي يؤدي إلى عقابه في الآخرة. فلا حرية للإنسان في معنى عبوديته لربه أن ينطلق في حياته تبعا لهواه ، وانفعالا بمزاجه الذاتي ، وذلك هو قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) [الأحزاب : ٣٦].
__________________
(١) البحار ، م : ٣٧ ، ج : ١٠١ ، ص : ٣٦٠ ، باب : ١١٢ ، روآية : ٦٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
