السابقة باعتبار أن نقاء المرأة من الدم طهور لها ، فكأنها تتطهر بالنقاء كحالة طبيعية في الواقع الجسدي وبذلك يجوز للإنسان ، على هذا الوجه ، مقاربة زوجته بعد النقاء وقبل الغسل. وربما يراد من التطهر الغسل ، غسل الحيض ، أو غسل الفرج لإزالة القذارة. ولكن الأقرب إلى أجواء الآية ، هو المعنى الأول ، باعتبار أنها ظاهرة في الرخصة بعد المنع على أساس ارتفاع المانع الموجب للحرمة. أما مسألة غسل موضع الفرج أو الاغتسال ، فقد تقتضيهما طبيعة الحالة النفسية التي لا تقبل على الموضع القذر إلا بعد غسله. لأن الناس قد يتعاملون مع آثار القذارة في المحل كتعاملهم مع القذارة نفسها ، لذلك تراهم يعملون على إزالة الأثر حتى بعد زوال العين. وفي ضوء ذلك ، يمكن أن تكون إرادة هذا المعنى ـ على التقدير الآخر ـ مطلقة من الحالة الطبيعية للإنسان ، لا من خلال الشرط الشرعي للرخصة. وعلى كل حال ، فإن الحرمة ترتفع بارتفاع هذا الأدنى وزوال تلك القذارة ، فيمكن للناس العودة إلى الوضع الطبيعي في علاقتهم بالنساء.
(فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ). وهذا أمر وارد على سبيل رفع الحرمة ، فلا دلالة فيه على الوجوب ، تماما كما في كل أمر وارد بعد الحظر أو في مقام توهمه. أما تحديد الإتيان بكونه (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) فقد يكون المراد منه الإشارة إلى الفرج الذي أمر بتجنبه ، وقد يفسر بأنه إشارة إلى طبيعة الجماع الذي أمر الله به في تقرير النظام في حياة النوع الإنساني ، فليس هو من قبيل الأفعال التي تعيش في هامش الوجود الإنساني ، كبعض الأفعال الصادرة منه على سبيل اللغو واللهو ، باعتبار أن امتداد هذا الوجود وحيويته متوقفان على ذلك فهو من النواميس الكونية. وفي ضوء ذلك ، يكون المراد بالأمر بالإتيان في الآية ، الأمر التكويني المدلول عليه بتجهيز الإنسان بالأعضاء والقوى الهادية إلى التوليد ، كما ذكره صاحب الميزان (١). وقد يراد به ـ كما عن ابن
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٢ ، ص : ٢١٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
