أظلمه ، ثم (لا يَلْتَفِتْ) تعم الالتفات حين السري أم ضمنه ، فقد تعني عدم التربص والتريث والتعويق إلى عدم اللفتة إلى الوراء ، ثم (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) تفريج بهيج عن كرب لوط (عليه السلام) المكروب المنكوب إنعاشا لنفسه النفيسة عن هذه الحالة التعيسة البئيسة ، تقريبا لموعد هلاكهم مع مطلع الصبح ثم يفعل الله بهم ما فعل بركنه الشديد الركين المكين كما آوى إليه من ذي قبل.
(فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)(٨٣).
(جاءَ أَمْرُنا) من الوعد إلى تحقيقه (جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وهو إلي عالي المدينة وسافلها ، عالي أهلها حيث سفلوا عن علوائهم بالعذاب المهين ، كما جعلت أعالي المدينة حيث مساكن أهليها الأعالي ، جعلت أسافلها ، ثم (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) نضدها الله لإمطار هؤلاء الأوغاد الأنكاد وأمثالهم (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) معلمة لهم (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ) أمثالهم «ببعيد» وحقيقة التسويم هي العلامات التي يعلم بها الفرسان والأفراس في الحرب للتمييز بين الشعارات ، والتفريق بين الجماعات ، وهكذا كانت فرسان العذاب لقوم لوط إذ كانت معلمة معلنة تختص بقبيل الظالمين حضورا ومستقبلين.
أجل ، ولا تختص هذه الممطرة المزمجرة المدمرة بهؤلاء الأنكاد البعاد ، بل هي تعم كل الظالمين أمثالهم ، فهي ـ إذا ـ قريبة غير غريبة ، وتحت الطلب العادل ، فعند الحاجة تطلق فتصيب أهليها.
فيا لسدوم الصدوم من صدام صدّام مع رسول الحق ، فصادمها عذاب من الله الحق ، وليعلم الظالمون أنهم منكوبون لوقت مّا مقرر في حكمة الله (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ، أيا كانوا وأيان ، وإن كانوا من الأمة المسلمة الأخيرة مهما اختلفت شكلية العذاب.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
