«صالح» (عليه السلام) يذكر في القرآن (١٣) مرة بدعوته قومه ثمود المذكورين فيه (٢٦) مرة ، وهم ـ كقوم نوح وهود وفرعون وملاءه من أنحس طغاة التاريخ الرسالي على مدار الزمن.
وهنا عرض لنعمة سابقة سابغة ربانية بعد الدعوة التوحيدية أنه (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) إنشاء في التكوين واستعمارا فيه ، وإنشاء في التشريع.
فطالما أصبحت صيغة الاستعمار صيغة زائفة كما السياسة والاستثمار ، حيث الساسة المستعمرون المستثمرون كانوا ولا يزالون يظلمون الناس فيما هم عاملون.
نرى هنا (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) من الصفات الربانية ، وكما الاستثمار في الزخرف بمعناه : (وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا)(٣٢).
ولكن أين استعمار من استعمار ، واستثمار من استثمار ، وسياسة ربانية من سياسة شيطانية؟!.
فالاستعمار الرباني هو طلب العمران الإنساني في هذه الرقعة الأرضية ، عمرانا للأرض نفسها لعمران الحياة الجسدانية فيها ، وعمرانا للروح الإنسانية الساكنة الماكنة فيها وأين عمران من عمران؟.
لقد استعمرنا ربنا في الأرض التي أنشأنا منها استقرارا برياحة الحياة الأرضية ، واسترواحا لأرواحنا ، حيث العقل السليم هو في البدن السليم ، فالأصل في الاستعمار هو استعمار الأرواح ، في الأبدان المستعمرة العامرة إذ هي أمكنة الأرواح ومجالاتها العملية الظاهرة في مجالات للحياة.
إن المستعمرين الطغاة الظالمين إنما يهدفون من استعمار الأرض عمران حياتهم الأرضية بتهديم العمال عن بكرتهم واستحمارهم ليحنوا ظهورهم لهم فيركبوهم ، ولا يطعمونهم شبعهم إلا سدّ رمقهم ليواصلوا في هذه العمالة الظالمة ، فهو ـ إذا ـ استعمار لأنفسهم دون من يستعملونهم للعمار.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
