تقول هذه الآية! ولكنهم السبعون الذين اختارهم موسى لميقات ربه حيث سألوا الرؤية ، ومن بعده عبد الباقون عجل السامري : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ..) (٧ : ١٥٥) (١) ولم يكن الميقات إلّا واحدا كما تلمح له «ميقاتنا» ، فلأن عبادة العجل وسئوال الرؤية هما من باب واحد في تجسيم الإله ـ مهما اختلفا في تعيينه ـ نسبا معا إليهم جميعا ، كما وينسبان إلى الموجودين منهم زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الشيمة في الأخلاف هي نفسها في الأسلاف ، والشكيمة هي نفس الشكيمة ، طبيعة جاسية لا تؤمن إلّا بالمحسوس.
ولأن سئوال الروية كان أخف وطأة من عبادة العجل ، كانت عقوبته كذلك أخف منها ، حيث أولاء قتلوا بالصاعقة ثم بعثوا ، وهؤلاء تقاتلوا دون بعث لمن قتلوا ، وعلّ القاتل منهم ترجّى ليته المقتول لعظم المشهد وهول المطلع.
فإطلال فترة الإذلال الفرعوني أفسد من فطرتهم الشيء الكثير ، الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل الطويل ، تحطيما للفضائل وتحليلا للفواضل ، وغرسا للرذائل ، واستخذاء تحت رحمة الجلّاد ، ثم تمردا بعد رفع السوط ، وتبطرا حين النّهمة بالنعمة ، على ما كانوا عليه من حب المادة ، وصلابة العقيدة والحماقة العميقة.
ولكن الله تعالى يمهلهم دون أن يهملهم ، ففي كل مرة من تهريف او تجديف تدركهم رحمة الله وتوهب لهم فرصة الحياة لعلهم يشكرون فلا يهرفون بما لا يعرفون : (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
وفي هذا البعث رجعة الى الحياة الدنيا دليل قاطع لا مردّ له على إمكانية
__________________
(١) ويأتي تفصيل سؤال الرؤية منهم ومن موسى في محاله.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3003_alfurqan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
