فقد انفلق البحر وأصبح لهم طريقا يبسا بأن ضرب موسى عصاه ، وبدخول بني إسرائيل ، فلولا عصى موسى كما أرادها الله لم يفلق البحر ويفرق ، ولو لا دخولهم البحر لم يضرب موسى عصاه ، حيث الفرق الفلق كان لإنجاءهم وإن كانت كذلك آية لهم.
وترى ـ بعد ـ أن انفلاق البحر وانفراقه طريقا يبسا ، كل ذلك لصدفة جزر عظيم ، او كثرة الواردين فيه؟ وكما يهرفه من لا يعرفه ، هراء دائبا مغبة نكران المعجزات ، مهما أقحم نفسه في المفسرين.
فالبحر المفروق لنبي إسرائيل نعمة إلهية حيث أنجاهم وأغرق آل فرعون وهم ينظرون ، إذ انخدعوا بعبور بني إسرائيل فعبروا ، ونعمة لهم إيقانا بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ، نعمة تجمع بين إنجاء أبد إنهم من غرق البحر وملاحقة آل فرعون ، وإنجاء أرواحهم من الشكوك التي اعترضتهم إذ (قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (٧ : ١٢٩).
(فَأَنْجَيْناكُمْ ـ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) : مشهد النجاة والغرق بأم أعينكم.
وترى كيف دخل آل فرعون عن آخرهم البحر ، أفلم يروا أوائلهم غارقين؟ انهم انخدعوا أن جاوزه بنو إسرائيل وهم ضعفاء ، فهم أحرى بالجواز وهم أقوياء ، فتجرءوا على الجواز ، وقد ترك البحر رهوا كما اوحى الله لموسى : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) (٤٤ : ٢٤) : والرهو هو الساكن المستوي بطريق يبس ، فلما دخلوا كلهم غرقوا أجمعين : (وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (٢٦ : ٦٦) حيث تدل أن إغراقهم كان بعد إزلافهم وجمعهم
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3003_alfurqan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
