في حياتهم وزهواتهم ، زعاماتهم وثرواتهم ، فيحسبونهم أنهم كرماء يستحقون هذه التكريمات ، فيمدون بها في طغيانهم يعمهون ، كما (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) (٧ : ٢٠٢) : (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) (٢٣ : ٥٦) وهكذا يستدرجهم من حيث لا يعلمون : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (٧ : ١٨٣).
فهم أولاء في طغيانهم يعمهون بين مدّين : إلهي حيث يمهلهم ويمدّهم بأموال وبنين ، وشيطاني حيث إخوانهم في كفرهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ، وهذان المدّان من مخلّفات إصرارهم على الكفر بالله وهزءهم برسالات الله! «وما الله يريد ظلما بالعباد»!
ثم وفرق بين المدّ والإمداد ، أنّ المدّ زيادة في الشيء من نفسه والإمداد زيادته من غيره ، والله يمدهم : يزيدهم في طغيانهم بما طغوا وبغوا ، أن يتركهم دون إمداد للخير حيث عاندوا الحق وأصروا على الباطل ف (يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) بمعنى : (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (٧ : ١٨٦) فمجرد تركهم في طغيانهم ومدّهم بأموال وبنين يزيدهم طغيانا وعمها.
إنه يمد لهم كأنه يخلّيهم والامتداد في عمههم والجماح في غيّهم ، إيجابا للحجة ، وانتظارا للمراجعة بعد وضوح المحجة ، تشبيها بمن أرخى الطول للفرس ، ليتنفس خناقها ، ويتسع مجالها.
وترى وماذا «يعمهون»؟ إنه عذاب فوق العذاب ، وتباب في الحياة أيّ تباب؟ فهو التردد والتحيّر في الضلالة دون أن يعرف الحجة ، ولا أين يتوجه في مهجّة ، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر ، فمن عمهت
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3003_alfurqan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
