بمعنى تأخّر و «أمامك» بمعنى تقدّم و «عليك» بمعنى الزم فقد كان الكسائى يذهب إلى أنه مفعول به ومحله النصب ، وذهب جمهور البصريين إلى أنه مجرور بالإضافة ، بينما ذهب الفراء إلى أنه مرفوع على الفاعلية لأنه قد يليها منصوب مثل «عليك زيدا» (١). ومر بنا أنه كان يوافق أستاذه فى أن الأسماء الخمسة تعرب من مكانين ، فإذا قلت «هذا أبوك» كانت علامة الرفع فى كلمة «أبوك» الواو والضمة التى قبلها وإذا قلت «رأيت أباك» كانت علامة النصب الألف والفتحة التى قبلها ، وإذا قلت مررت بأبيك كانت علامة الجر الياء والكسرة التى قبلها (٢). وذهب سيبويه والبصريون إلى أن تمييز «كم» الخبرية مجرور دائما وإن جاء منصوبا شذوذا ، وتمييز «كم» الاستفهامية منصوب دائما إلا إذا جرّت مثل «بكم درهم اشتريت هذا الكتاب» ، وذهب الفراء إلى أنه يجوز فى تمييزهما جميعا النصب والجر بمن مضمرة (٣) ، وقد علق على كم التكثيرية فى الآية الكريمة : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) ملاحظا أن ما يليها قد يأتى مجرورا ومنصوبا ومرفوعا يقول ، من ذلك قول العرب كم رجل كريم قد رأيت وكم جيشا جرّارا قد هزمت ... وأنشدوا قول الشاعر :
|
كم عمة لك يا جرير وخالة |
|
فدعاء قد حلبت علىّ عشارى (٤) |
رفعا ونصبا وخفضا ، فمن نصب قال : كان أصل كم الاستفهام وما بعدها من النكرة مفسر (ممّيز) كتفسير العدد ، فتركناها فى الخبر على جهتها وما كانت عليه فى الاستفهام فنصبنا ما بعدكم من النكرات كما تقول عندى كذا وكذا درهما. ومن خفض قال : طالت صحبة من للنكرة فى كم ، فلما حذفناها أعملنا إرادتها ، فخفضنا ، كما قالت العرب إذا قيل لأحدهم كيف أصبحت؟ قال : خير عافاك الله ، فخفض ، يريد بخير ، وأما من رفع فأعمل الفعل الآخر ونوى تقديم الفعل كأنه قال كم قد أتانى رجل كريم» (٥)
__________________
(١) الرضى ٢ / ٦٥ والهمع ٢ / ١٠٦ وانظر معانى القرآن ١ / ٣٢٣ حيث صرح بأنه لا يجوز أن يتقدم منصوبها عليها فلا يقال زيدا عليك مخالفا بذلك أستاذه ، وقارن بالهمع ٢ / ١٠٥.
(٢) الهمع ١ / ٣٨ وابن يعيش ١ / ٥٢.
(٣) المغنى ص ٢٠٢ والهمع ١ / ٢٥٤.
(٤) فدعاء : معوجة رسغ اليدمن كثرة الحلب ، والعشار : جمع عشراء وهى الناقة الحامل فى شهرها العاشر.
(٥) معانى القرآن ١ / ١٦٨.
