بذلك يسدده ويسليه ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (١).
وينظر الى هذا الضعيف المسكين بلال الحبشي ، وقد استولى عليه الطاغوت القرشي يرهقه من أمره عسرا ، وهو يسفه آلهة قريش ، فتلحّ عليه بالإشراك فيأبى ذلك ويقول : « أحد. أحد » ولا يصلون معه الى ما يرضيهم ، فيكررون الكيد إثر الكيد ، ويضاعفون التعذيب والنكال ، ويعاودون الضغط والإكراه ، وهو صامد في وجه هذا ، وثائر في وجه ذلك ، كان عليّ يأرق لهذه المشاهد ويأسى لهؤلاء المستضعفين : عمار وأبويه وبلال وخبّاب بن الأرت ، وغيرهم ممن شرح الله صدره للإسلام ، فتمتلىء نفسه غيظا وكمدا ، وتنفجر عينه دمعا ودما ، وتتحرق روحه حزنا وألما ، ولكنه يتذرع بالصبر الذي أمر به النبي ، ولكن مناظر العذاب والتعذيب بين الحديد والنار ولفح الهجير ، تبقى مخلفات في ذاته ، وتحكم سياجا على تفكيره ، ويدفعه ذلك فيما بعد أن ينصب نفسه علما لهذا الدين يحارب أعداءه ، فالنصر آت عن قريب ، وإن تطاولت قريش بجبروتها ، ومخزوم في علوها ، وثقيف في زهوها ، ولا بد للمحنة أن تنجلي.
ويوحى الى النبي بهجرة المستضعفين من آله وصحابته الى الحبشة مرة وأخرى ، فيهاجر من هاجر ، يدعو الى الحق ويبشر بالدين الجديد وكان في طليعتهم شقيق علي جعفر بن أبي طالب ، ويبقى علي مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يتلقى التوجيه ، ويصمد للأحداث الجسام ، فما كان له أن يهاجر ويترك أخاه فهو إلى جنبه حتى النهاية وقد كان ذلك. ولكن الأسى يحزّ في النفس ، ولكنه الأسى لا اليأس ، والألم لا القنوط ، فيركب ما ركبه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من مصاعب ، يواكبه الإصرار والتحدي ،
__________________
(١) سورة النحل ، الآية : ١٠٦.
