باب ما
إن قال قائل : ما الذي منع من تقديم خبر (ما) عليها (١)؟
قيل له : لأنها (٢) حرف مشبه بالفعل ، فلم تبلغ قوتها أن تتصرف في معمولها إذ كانت هي في نفسها لا تتصرف (٣).
فإن قال قائل : فما الذي أوجب إبطال عملها إذا فصلت بين الاسم والخبر بإلا (٤)؟
قيل له : لأن إلا توجب الخبر فبطل معنى (ما) فإنما هي مشبهة بليس من جهة المعنى لا اللفظ ، فإذا زال المعنى بطل عملها ؛ لأن الشبه قد زال فرجعت إلى أصلها.
واعلم أن الأقيس في (ما) ألا تعمل شيئا وإنما كان الأقيس فيها هذا لأنها تدخل على الاسم والفعل كما تدخل حروف الاستفهام عليهما (٥) ، وإنما يعمل العامل في الجنس إذا استبدّ به دون غيره ، وهذا أصل في العوامل ، و (ما) في هذا ليست بالأسماء أولى منها بالأفعال ، ولكن أهل الحجاز لما رأوها بمعنى (ليس) تنفي ما في الحال والمستقبل أجروها مجراها في العمل ، وأصل موضع عمل الأفعال
__________________
(١) قال الخليل : " ولا يقدمون خبر (ما) عليه ، لا يقولون : قائما ما زيد ، لأنه لا يقدم منفي على نفي ..." انظر الجمل في النحو المنسوب للخليل ٣٠٥.
(٢) في الأصل : لأنه.
(٣) قال سيبويه : " فإذا قلت : ما منطلق عبد الله ، أو ما مسيء من أعتب ، رفعت. ولا يجوز أن يكون مقدما مثله مؤخرا ، كما أنه لا يجوز أن تقول : إنّ أخوك عبد الله على حد قولك : إن عبد الله أخوك ، لأنها ليست بفعل ، وإنما جعلت بمنزلته فكما لم تتصرف إنّ كالفعل كذلك لم يجز فيها كل ما يجوز فيه ولم تقو قوته فكذلك ما".
الكتاب ١ / ٥٩ (هارون).
(٤) انظر المصدر السابق ، الصفحة نفسها.
(٥) في الأصل : عليها.
