بغداد ، ومات خلق
تحت الهدم ، وركب النّاس في المراكب ، واستغاثوا بالله ، وعاينوا التّلف ، ودخل
الماء من أسوار البلاد ، وانهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا ، وانهدم مخزن
الخليفة ، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال ابن السّبكي
في الطبقات الكبرى : وكان ذلك من جملة الأمور ، التي هي مقدّمة لواقعة التّتار.
وفي هذه السنة ،
في يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة ، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرّعد
البعيد تارة وتارة ، وأقام على هذه الحالة يومين ، فلمّا كان ليلة الأربعاء تعقّب
الصوت زلزلة عظيمة ، رجفت منها الأرض والحيطان ، واضطرب المنبر الشريف ، واستمرّت
تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر ، ظهر من الحرّة نار عظيمة ، وسالت
أودية منها سيل الماء ، وسالت الجبال نارا ، وسارت نحو طريق الحاجّ العراقيّ ، فوقفت
وأخذت تأكل الأرض أكلا (١) ، ولها كلّ يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة ،
واستغاث النّاس بنبيّهم صلىاللهعليهوسلم ، وأقلعوا عن المعاصي ، واستمرّت النار فوق الشهر ، وخسف
القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر ، وكسفت الشمس في غدوة ، وبقيت أياما متغيّرة
اللون ضعيفة النور ، واشتدّ فزع الناس ، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه ،
فطرح المكوس ، وردّ على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
وقال سيف الدين
عليّ بن (٢) عمر بن قذل المشدّ في هذه النار :
ألا سلّما عنّي
على خير مرسل
ومن فضله
كالسّيل ينحطّ من عل
وأشرف من شدّت
إليه رحالنا
لتورد هيم
الشّوق أعذب منهل
تحمّلن منّا كلّ
أشعث أغبر
فيا عجبا من
رحلها المتحمّل!
إلى سيّد جاءت
بعالي محلّه
ومعجزه آي
الكتاب المنزّل
نبيّ هدانا
للهدى بأدلّة
فهمنا معانيها
بحسن التأوّل
محمّد المبعوث ،
والغيّ مظلم
فأصبح وجه
الرّشد مثل السّجنجل (٣)
وقولا له : إنّي
إليك لشيّق
عسى الله يدني
من محلّك محملي
__________________
(١) شذرات الذهب : ٥
/ ٢٦٣.
(٢) هو سيف الدين بن
المشد سلطان الشعراء صاحب الديوان المشهور الأمير أبو الحسن علي بن عمر بن قزل
التركماني ، ولد سنة ٦٠٢ ه بمصر ، وكان فاضلا كثير الخير والصدقات ذا مروءة ،
توفي في تاسع المحرم سنة ٦٥٦ ه بدمشق ودفن بقاسيون. [شذرات الذهب : ٥ / ٢٨٠].