وكيف يستغرب من الإنسان العربي : أن يهتم بالشعر ، وأن يحفظه ويتناقله ، وأن يدونه ويحتفظ به. هذا فضلاً عن أن يقيم له الندوات ، والتجمعات ، والمواسم ، والمراسم في طول البلاد وعرضها؟!
ويصبح من الطبيعي ـ والحالة هذه ـ أن يتبوأ الشاعر مكانة مرموقة في مجتمعه ومحيطه ، حتى ليصبح وجه القبيلة ، ولسانها ، وهاديها ، ورائدها ، مادام أن بيتاً من الشعر قد يكون سبباً في عز قبيلة بأسرها ، أو في ذلها على مر الأيام.
كما أنه قد يتسبب في إثارة حرب ، أو في إخمادها ، وفي إفساد وزعزعة ملكٍ ، أو تقوية وترسيخ دعائمه. وقد يوصل إنساناً ما إلى أوج العزة والكرامة ، أو يلقي به مذؤوماً مدحوراً في بؤر الذل والمهانة. ثم إنه قد يمنحه النعيم المقيم والرخاء ، أو يسلمه إلى براثن البلاء والشقاء.
هذا من ناحية.
ومن الناحية الأخرى ، فقد يتمكن الشعر من قلب الحقائق وتشويهها ، ومن الإخلال بالموازين الإنسانية والأخلاقية وتمويهها ، ليصبح قادراً والحالة هذه على تبرير حالات الانهزام والتراجع ، والسقوط والخنوع في كثير من الأحيان.
وهذا النموذج الأخير هو الشعر المأجور والزائف ، الذي يتخذه الحكام وسيلة لمآربهم ، والفاشلون الأغبياء ذريعة لتغطية فشلهم.
ولسنا بصدد الحديث عن هؤلاء الآن.
