وحَسبُ فهمي أنّه لمدى تأثير البكاء في النفوس أوّلاً ، وفي الإعلام ثانياً ، وفي التربية ثالثاً ، حَصَلت هناك من المعصومين (سلام الله عليهم) عدّة أمور ممّا اقتضى التركيز عليها :
منها : أنّه بكى رسول الله صلىاللهعليهوآله بعد موت أولاده ، كما وردَ عنه أنّه قال : «يَحزن القلب ، وتدمعُ العين ، ولا نقول ما يُسخِط الربّ» (١).
ومنها : أنّ الإمام الباقر عليهالسلام كما وردَ ، أوصى بمالٍ يُصرف من ثُلثه في نوادب يندُبنَهُ في عرفة عند الحج ، عشر سنوات (٢).
ومنها : أنّ نساء الحسين عليهالسلام من قريبات وبعيدات ، بقينَ على حالة الحزن والبكاء المتواصل وترك الراحة والهدوء عدّة سنوات ، حتّى حَصَلت حركة
__________________
|
تجاوبنَ بالأرنان والزَفرات |
|
نوائح عُجم اللفظ والنُطقات |
وقد أنشدَها على الإمام الرضا عليهالسلام ، فلمّا وصلَ إلى قوله :
|
وقبرٌ ببغداد لنفس زكيّةٍ |
|
تَضمّنها الرحمان في الغُرفاتِ |
قال الرضا عليهالسلام : «أفلا أُلحِق لك بيتين بهذا الموضع بها تمام قصيدتك؟» فقال : بلى ، يابن رسول الله ، فقال الإمام الرضا عليهالسلام :
|
وقبرٌ بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ |
|
ألَحّت على الأحشاءِ بالزَفرات |
|
إلى الحشر حتّى يبعث الله قائماً |
|
يُفرِّجُ عنّا الغمِّ والكُربات |
فقال دعبل : هذا القبر الذي بطوس قبرُ مَن؟ قال الرضا عليهالسلام : هو قبري) أدبُ الطف : ج ١ ، ص ٢٩٥ ـ ٣٠٩.
(١) الخصائص الحسينيّة للتستري : ص ٤٠ ، ط النجف ، تُحف العقول للحسن بن علي البحراني : ص ٣٢.
(٢) وسائل الشيعة للعاملي : ج ٣ ، ص ٢٣٩ ، ونَقلهُ المرحوم المقرّم في مقتله عن التهذيب للطوسي : ج ٢ ، ص ١٠٨ ، وكتاب المكاسب ، والمنتهى للعلاّمة الحلّي : ج ٢ ، ص ١١٢ ، والذكرى للشهيد الأوّل المبحث الرابع من أحكام الأموات ، وفي مَن لا يحضرهُ الفقيه : ص ٣٦ أنّه عليهالسلام أوصى بثمانمائة درهم لمأتمهِ ، وأن يُندب في المواسم عشر سنين.
وادّعى بعضهم أنّ هذا العمل غير جائز ، باعتبار أنّ صوت المرأة عورة ويَحرم على الأجانب سماعه ، وقد ردّ هذا القول السيّد المقرّم في مقتله : ص ١٠٥ بأفضل جواب ، بحيث لم يبقَ شكّ في بطلان هذا القول وصحّة فعل الإمام عليهالسلام ، فراجع.
