لنفرض عاملاً فنياً قد قضى أربعين سنة في عمل ما ، أصيبت عينه في أثناء العمل فدخل المستشفى ، وصرف جميع ما يملك في هذا السبيل وفقد بصره في النهاية . إن التفكير في العمى والبطالة والفقر والبؤس يقض عليه مضجعه ، وأخيراً يؤدي به إلى الاختلال الروحي ، وحين يفحصه الطبيب النفساني يتوصل إلى أن العلة الأصلية في ذلك الاختلال هو فقدان البصر وفقره . . .
وهكذا فإن إنساناً محترماً قد أشرف على الشيخوخة يُتَّهم بالسرقة أو الارتشاء من قبل أُناس مغرضين . فيذهب ماء وجهه وذلك يؤدي به إلى الاختلالات الروحية ، فلا يمكن أن يوجد في العلاج النفساني أصل لهذا الاختلال غير الاتهام بالسرقة . . . وهكذا فإن أمثال هذه القضايا كثيرة في المجتمع ، ولا ربط لها أصلاً بالأمور الجنسية كما يدعي فرويد .
ولولا أن فرويد نفسه قد اعتبر غريزة حب الذات مغايرة للغرائز الأُخرى كحنان الأم وغيره من الميول الطبيعية المتفرعة عن الغريزة الجنسية لكان يصح كلامه هذا وكان قابلاً للتصديق ! أما وأنه ينسب جميع الاختلالات الروحية إلى حدوث تغيرات في الغريزة الجنسية فليس معنى ذلك إلا اعتبار غريزة حب الذات فرعاً من فروع الغريزة الجنسية وهذا ينافي تقسيمه للغرائز إلى قسمين : حب الذات ، والجنس . فإن كنت تعتبر غريزة حب الذات مستقلة عن غيرها من الغرائز الجنسية يا أستاذ فرويد ! ! فلماذا لا تنسب بعض تلك الاختلالات الروحية التي ذكرتها إليها ؟
إنه لا ريب في أن الغريزة الجنسية تعتبر إحدى الغرائز القوية التي أودعها الله في النفس الإِنسانية إلا أن فرويد يفرط في هذا الموضوع ويغالي في حقها كثيراً .
ومن يطالع عقائد فرويد في الكتب المختلفة بدقة ، يصل إلى هذه النتيجة في نهاية المطاف ، وهي : إن الانسان مجموعة من اللحم الحي الذي يملك غريزتين إحداهما حب الذات والدفاع عنها . والأُخرى الشهوة الجنسية ، لكن جميع أوجه النشاط البشري في جميع المظاهر الحياتية ترتبط بالأخيرة وهي الغريزة الجنسية فقط .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
