وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء ، فغنت يوماً وهو مع جلسائه على الشراب ، إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب ، فقال الجلساء : ما شأنك يا أمير المؤمنين ؟ .
قال : لقد وقع في قلبي أن جاريتي ( غادر ) يتزوجها أخي هارون بعدي .
فقالوا : يطيل الله بقاء أمير المؤمنين ، وكلنا فداؤه .
فقال : ما يزيل هذا ما في نفسي . . .
وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله ، فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك وقال : لا بد أن تحلف لي !
قال : لأفعل ، وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة ، فسكن . ثم قام ، فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ، ولم يلبث شهراً ثم مات .
فلما أفضت الخلافة إلى هارون ، أرسل إلى الجارية يخطبها . . .
فقالت : يا سيدي كيف بايمانك وايماني ؟ ! !
فقال : أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك ، فتزوجها وحج ماشياً ليمينه ، وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تتنبّه ، فبينما هي ذات ليلة إذ انتبهت فزعة . . .
فقال لها : مالك ؟ !
فقالت : رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول :
|
أخلفتِ وعدك بعدما |
|
جاورتُ سكان المقابر |
|
ونسيتني ، وحنثت في |
|
أيمانك الكذب الفواجر |
|
فظللت في أهل البلاد |
|
وغدوت في الحور الغرائر |
|
ونكحت غادرة أخي ! |
|
صدق الذي سماك غادر |
|
لا يهنك الإِلف الجديد |
|
ولا تدر عنك الدوائر |
|
ولحقت بي قبل الصباح |
|
وصرت حيث غدوت صائر |
. . . والله يا أمير المؤمنين ، فكأنها مكتوبة في قلبي ، ما نسيت منها كلمة . فقال الرشيد : هذه أضغاث أحلام .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
