ساطعة هي : أن النبي ( ص ) قام في عالم مظلم ودور جاهلي أهوج ، في الحجاز . . . حيث مظاهر البداوة والتفرقة والحزازات ، حيث لا مدرسة ولا مكتبة ، ولا حديث عن العلم والعالم ، ولا أثر للمنطق والتفكير . . . قام في مثل ذلك الدور العصيب ـ وهو أُمي لم يدرس عند أحد ـ فأخذ يدعو الناس إلى الايمان ، بحماس وثبات شديدين ويهديهم إلى شاطىء الأمن والسعادة ، وأخذ يقول في كل شيء كلمته بمنطق صحيح ودليل قاطع ، ووضع القوانين لكل جانب من جوانب الحياة ، وأخذ بيد تلك الأمة المتأخرة إلى حيث العزة والكمال والعظمة . . . ولا تزال تعاليمه الرصينة تهب الحياة للبشرية من دون أن تفقد قيمتها العلمية والاجتماعية . . . في مثل هذه الظروف وعلى مثل هذه الأوضاع يحكم العقل ـ بلا تردد ـ بأن البشر العادي ـ سواء في أمسه أو يومه ـ يستحيل عليه أن يقوم بعمل جبار كهذا ويترك هذه الآثار العظيمة في الجوانب المختلفة من الحياة . فليس ذلك النبوغ وتلك العظمة وهذه الرصانة في التعاليم إلا نتيجة الاتصال الوثيق بخالق الكون عن طريق الوحي والالهام .
« إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ » (١) .
وليس معنى الايمان بالنبي والنبوة إلا هذا الاعتقاد بالارتباط المعنوي بين النبي ( ص ) والله تعالى وكونه سفيراً له على وجه الأرض ، لهداية البشر إلى الصراط ؟ المستقيم ، وهذا هو المائز الحقيقي الذي يفصل بين النبي وبين الفلاسفة والعلماء العاديين ، فالعلماء قد درسوا في فرع واحد أو عدة فروع من العلوم بصورة اعتيادية ، ومن طريق الكتاب والمدرسة والمعلم وما شاكل ذلك حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه . . . بينما النبي ( ص ) أُمي لم يدرس عند أحد ، لكنه تلقى الوحي والإِلهام من الله تعالى ، فكان هو مدرسة الأجيال كلها ، وكتاب العلماء كلهم ، وأستاذ المعلمين كافة .
وفي الختام نرجو أن نعمل على هدى النبي وأهل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام . متخذين من العقل الصحيح أقوى دليل على الإِيمان والثبات على العقيدة .
____________________
(١) سورة الأحقاف / ٩ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
