والاسمنت والحديد والجص والأخشاب والزجاج واللوالب والمقابض والأسلاك والأنابيب وغير ذلك من المواد الانشائية . وكان مليون طن من هذه المواد تحت اختيار مهندس معمار ، فانه يخرج تلك الكمية من المخزن وينشىء على أرض مسطحة عمارة ذات ثلاث طوابق . . . وبعد مدة يأتي سيل جارف ويخرج المليون طن من المواد الانشائية الباقية في المخزن إلى الخارج ويكومها على بعد بضع كيلومترات مكوناً تلاً من ذلك الخليط . العمارة ذات الثلاث طوابق إنما هي إنتاج ذلك المهندس القدير ، والتل المتراكم عمل طبيعي للسيل .
إن العقلاء من كل أمة وفي أي عصر حينما يدخلون العمارة التي أنشأها المهندس يجدون أن كل شيء قد وضع في محله حسب نظام دقيق ومحاسبة أساسية : فالطابوق في داخل البناء والرخام فوقه والأعمدة الحديدية ذات القياسات الخاصة تحفظ السقف ، والأبواب مرتبة في أماكنها والأسلاك مربوطة بالأزرار والمصابيح الكهربائية ، وحنفيات الماء البارد والحار متصلة بالأنابيب ومعدة للعمل في الحمام والمغسلات ، والسلالم تربط طوابق العمارة ببعضها حسب هندسة دقيقة . . . وبصورة موجزة فإن كل شيء في ذلك البناء موضوع في محله والنظام يسيطر على جميع أجزاء البيت .
أما حين يذهب العقلاء إلى التل الذي صنعه السيل ، فلا يجدون نظاماً هناك . فأحجار الرخام قد ركدت تحت الطين وأعمدة الحديد مبعثرة هنا وهناك ، والأسلاك متشابكة فيما بينها وملتفة بصورة مشوشة حول الأعمدة والأحجار ، والأبواب مكسرة وشبه مكسرة ، البعض منها بصورة أفقية والآخر بصورة عمودية ، وبصورة موجزة : فإن الشيء الذي يفتقد في نتاج السيل هذا ، هو النظام والقياس الصحيح .
يتضح للناظر العاقل من مقارنة هذين النموذجين أن صانع العمارة كان عالماً ، وأن صانع التل كان فاقداً للعلم والشعور ، ولقد وضع المهندس كل شيء في محله حسب قياسات محاسبات دقيقة أما السيل فلم يكن نتاجه صادراً عن وعي وإرادة بل أن اندفاع الماء قد بعثر كل شيء في مكان ما من دون نظم أو ترتيب .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
