إن البنيان الجسدي لصغار الحيوانات ينمو بسرعة ، وبعد فترة قصيرة تكون جاهزة للانتفاع منها في طريق الحياة ، أما النمو الجسمي لأطفال الانسان فهو يحتاج إلى وقت طويل . . . فيجب أن تنقضي أشهر عديدة حتى يستطيع الطفل أن يفتح أصابعه ويمسك بها شيئاً ، ويستغرق سنة واحدة حتى يكون قادراً على المشي بعد الانكباب والنهوض ، ويحتاج إلى عامين أو أكثر لكي يتفتح لسانه تدريجياً للتكلم ، وتمر بعد ذلك أعوام كثيرة حتى يستطيع أن يدرك شيئاً عن العالم الخارجي بالنسبة إلى نفسه وأهله ، وأعوام أطول ضرورية له لتكسبه نوعاً من الاستقلال والشخصية كي يستطيع بهما من العيش لوحده في المجتمع .
اللبائن ترضع صغارها لعدة أسابيع أو أشهر وتلتزم برعايتها ، ثم تتركها ، لأن الصغير قد جُهز في هذه الفترة القصيرة بكل متطلبات الحياة ويقدر على إدارة نفسه بنفسه .
لكن المرأة ترضع طفلها عامين كامليين تلتزم
برعايته طوال هذه المدة وتعتني بصحته ونظافته وحمايته عن الحوادث فتحافظ عليه من البرد والحر والحريق ، والغرق ، والسقوط ، وما شاكل ذلك . . . وعندما تفطمه ، فليس طفلها إنساناً كاملاً بل هو طفل عاجز ، يجب أن يخضع لرعاية الأبوين وتمر عليه السنين حتى يصبح إنساناً سوياً قادراً على الحياة المستقلة . على الرغم من أن سرعة النمو العضلي عند الحيوان وبطأه عند الانسان تعتبر من علل قصر أيام الطفولة عند الحيوان ، ولكن ما لا شك فيه أن أحد الاسباب المهمة لطول فترة الطفولة عند الانسان يرتبط بموضوع التربية والتعليم . إن صغار الحيوان تتلقى أسلوب العيش والمعلومات الحياتية عن طريق الغريزة التي هي من نعم الله عليها بصورة تلقائية ولا تحتاج في ذلك إلى تعلم أو تربية . فالحيوان يحتاج إلى أمه أياماً قليلة ليأخذ منها الغذاء المناسب وتشملها الرعاية اللازمة كي يخوض معركة الحياة بعد ذلك . . . أما أطفال الانسان فانهم يجب أن يتلقوا من أمهاتهم بالاضافة إلى التغذية والصحة ، مناهج مفصلة عن الحياة . وفي الواقع أن الأطفال يتلقون من أمهاتهم غذاءين : الغذاء المادي والغذاء الروحي . إن حجر الأم مضافاً إلى قيامه بالتغذية الجسدية ، يعتبر مدرسة
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ١ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F133_child-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
