نعم ـ إنه عدا عن ذلك كله ـ فإننا نجدهم يُحْكمون أمورهم بعد حوادث السقيفة ، ولا يفسحون المجال لأية مناورة أو مبادرة ، من أي كان ، ومن أي نوع كانت . .
فنجد أبا بكر يوصي بالأمر إلى عمر بن الخطاب بعده ، ثم هو يبدأ خطة التمهيد للأمويين ، حيث إنه وهو في مرض الموت ، وقد جاء بعثمان ليكتب له وصيته ـ فأغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان اسم عمر في حال غشية وغيبوبة أبي بكر (١) ، فلما أفاق وعلم بذلك قال : « لو تركته ما عدوتك » أو ما هو بمعناه (٢) . أو قال له : « والله ، إن كنت لها لأهلاً » وبتعبير مصعب الزبيري : « أصبت يرحمك الله ، ولو كتبت اسمك لكنت لها أهلاً . . » (٣) .
ولم نجد أحداً يعترض على صحة خلافة عمر بأن اسمه قد كتب حال إغماء أبي بكر ، في مرض موته ، ولم يصرّ على ذلك سبباً للفتنة ، مع أنهم يقولون : إن نسبة الهجر للنبي صلى الله عليه وآله في مرض موته ، لمنعه عن كتابة الكتاب الذي لن يضلوا بعده كانت في محلها ، لأن ذلك كان سوف يثير فتنة ! ! فسبحان الله ، كيف صارت باؤهم تجرّ ، وباء الله ورسوله لا تجرّ .
ونستطيع أن نلمح في هذه الحادثة قدراً من التفاهم فيما بين أبي بكر وعثمان . . وإن كنا نجد هذا التفاهم أكثر وضوحاً وعمقاً فيما بين أبي بكر وعمر . والشواهد على ذلك كثيرة جداً ، بل لقد صرح أبو بكر نفسه بذلك لعبد الرحمن بن عوف حينما شاوره في استخلاف عمر ، فذكر له غلظته ، فقال أبو بكر : « ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو قد أفضى الأمر إليه ترك كثيراً مما هو عليه ، وقد رمقته إذا ما غضبت على رجل أراني الرضا عنه ، وإذا لنت له
____________________
(١) راجع : المراجعات ودلائل الصدق ، والنص والاجتهاد ، وغير ذلك .
(٢) راجع : تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦١٨ والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٢٥ وشرح النهج للمعتزلي ج ١ ص ١٦٤ ، وسيرة الأئمة الإثني عشر ج ١ ص ٣٥٦ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٢٥ عن طبقات ابن سعد ، وعن كنز العمال ج ٣ ص ١٤٥ .
(٣) راجع : نسب قريش ص ١٠٤ وكنز العمال ج ٥ ص ٣٩٨ و ٣٩٩ عن اللالكائي ، وابن سعد ، والحسن بن سفيان في جزئه ، وابن كثير ، وصححه .
