ما بأنفسهم من عافية الله فغير الله ما بهم من نعمة. وإِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، فأرسل الله عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب
______________________________________________________
« فَأَعْرَضُوا » عن الحق ولم يشكروا الله سبحانه ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه « فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ » وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما ، فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم وبساتينهم ، فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله بعث الله جرذا (١) نقبت ذلك الردم وفاض الماء عليهم فأغرقهم.
والعرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء وهي ذهابه كل مذهب وقيل : العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى ، وقيل : العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر (٢) عليهم ، وهو الذي يقال له : الخلد ، وقيل : العرم المطر الشديد ، وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق « وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ » اللتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات « جَنَّتَيْنِ » أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام كما قال : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ».
« ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ » أي صاحبتي أكل وهو اسم لثمر كل شجرة ، وثمر الخمط البرير ، قال ابن عباس : الخمط هو الأراك وقيل : هو شجرة الغضا ، وقيل : هو كل شجر له شوك ، والأثل الطرفاء عن ابن عباس ، وقيل : ضرب من الخشب ، وقيل : هو السمر « وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ » يعني أن الخمط والأثل كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق ، قال قتادة : كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم « ذلِكَ » أي ما فعلنا بهم « جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا » أي بكفرهم بهذا
__________________
(١) الجُرَذ ـ كصرد ـ : ضرب من الفار.
(٢) السكر : اسم من سكر النهر أي سدّه.
![مرآة العقول [ ج ٩ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1026_meratol-oqol-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
