مسائل خلافية حار فيها أهل السنة

الشيخ علي آل محسن

مسائل خلافية حار فيها أهل السنة

المؤلف:

الشيخ علي آل محسن

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: دار الميزان
نسخة غير مصححة

١

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

( هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ

لِقَوْمٍ يُوقِنُون )

صدق الله العلي العظيم

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد :

فهذه مسائل متفرقة ، اختلف فيها الشيعة وأهل السنة ، واشتدت الحاجة إلى معرفة الرأي الحق فيها ، لما يترتب على ذلك من معرفة المذهب الصحيح وتمييزه عن غيره.

وهذه المسائل قد رُويت فيها أحاديث صحيحة عند أهل السنة ، وكان من اللازم أن تَحسِم تلكم الأحاديث هذا النزاع القديم المستحكم بين هاتين الطائفتين ، إلا أن أهل السنة ـ هداهم الله ـ تحيَّروا في بعضها حيرة شديدة ، فاضطربت أقوالهم ، وتشتَّت آراؤهم ، ولم يهتدوا فيها إلى الصواب ، لأنهم حاولوا أن يصرفوا تلك الأحاديث عن معانيها إلى ما يوافق معتقداتهم ويلتئم مع مذهبهم ، فوجَّهوا بعض هذه الأحاديث إلى غير جِهَتها بما لا يرتضيه المنصفون ، ولا يقبله المحِقّون ، وأهملوا بعضها الآخر ، فتركوا البحث فيها مع عظم أهميتها وشدة الحاجة إلى معرفة الوجه فيها.

وحيث إن المسائل الخلافية بين الشيعة وأهل السنة في أصول الدين وفروعه كثيرة جداً ، واستقصاء ذلك يستدعي الإطالة ، ويسبِّب ضياع ما تمس الحاجة إلى بيانه أكثر من غيره ، فلذا آثرنا أن نقتصر على سبع مسائل مهمة ، هي من جملة المهم من مسائل أصول الدين التي لها شأنها في اختيار المذهب

٥

الحق من هذين المذهبين.

والمسائل التي وقع عليها الاختيار هي :

١ ـ مَن هم الأئمة الاثنا عشر؟

٢ ـ ما هو المصحِّح لخلافة أبي بكر؟

٣ ـ لماذا لم يتمسَّك أهلُ السنة بأهل البيت عليهم‌السلام؟

٤ ـ لماذا هذه المذاهب الأربعة؟

٥ ـ ماذا بقي من شعائر الإسلام صحيحاً عند أهل السنة؟

٦ ـ مَن هو إمام المسلمين في هذا العصر؟

٧ ـ ما هي الفرقة الناجية؟

وأسأل المولى جل شأنه أن يوفِّقنا لبيان الحق وقول الصدق ، وأن يجمع كلمة المسلمين على رضاه ، إنه على ما يشاء قدير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

٢٢ جمادى الثانية ١٤١٩ هـ

علي آل محسن

٦

(١)

مَن هم الخلفاء الاثنا عشر عند أهل السنة؟

تمهيد :

لقد جاءت الأحاديث الصحيحة مبشِّرة باثني عشر خليفة من قريش ، لا يزيدون ولا ينقصون ، عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل ، يكون الإسلام بهم قائماً عزيزاً منيعاً ظاهراً على مَن ناواه ، ويكون الأمر بهم صالحاً ، وأمر الناس بهم ماضياً ...

ومع استفاضة تلك الأحاديث ووضوحها إلا أن علماء أهل السنة تحيَّروا في معرفة هؤلاء الخلفاء ، ولم يهتدوا في هذه المسألة إلى شيء صحيح ، فجاءت أقوالهم ـ على كثرتها ـ واهية ركيكة ضعيفة كما سيتضح قريباً إن شاء الله تعالى.

طرق حديث الخلفاء الاثني عشر :

١ ـ أخرج البخاري وأحمد والبيهقي وغيرهم عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش (١).

__________________

(١) صحيح البخاري ٩ / ١٠١ كتاب الاحكام ، باب ٥١ ، مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٩٠ ، ٩٥. دلائل النبوة ٦ / ٥١٩.

٧

قال البغوي : هذا حديث متّفق على صحّته (١).

٢ ـ وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعته يقول : إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة. قال : ثم تكلم بكلام خفي عليَّ. قال : فقلت لأبي : ما قال؟ قال : كلهم من قريش (٢).

٣ ـ وأخرج مسلم أيضاً ـ واللفظ له ـ وأحمد عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً. ثم تكلم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكلمة خفيت عليَّ ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ فقال : كلهم من قريش (٣).

٤ ـ وأخرج مسلم أيضاً وأحمد والطيالسي وابن حبان والخطيب التبريزي وغيرهم عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة. ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال؟ فقال : كلهم من قريش (٤).

٥ ـ وأخرج مسلم ـ واللفظ له ـ وأحمد وابن حبان عن جابر بن سمرة ، قال : انطلقت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعي أبي ، فسمعته يقول : لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة. فقال كلمة صَمَّنيها الناس ، فقلت

__________________

(١) شرح السنة ١٥ / ٣١.

(٢) صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٢ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش.

(٣) صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٢ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش. مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٩٨ ، ١٠١. سلسلة الأحاديث الصحيحة ١ / ٦٥١ ، قال الألباني : وهذا إسناد صحيح على شرطهما.

(٤) صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٣ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش.

مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٩٠ ، ١٠٠. مسند أبي داود الطيالسي ، ص ١٠٥ ، ١٨٠ ، مشكاة المصابيح ٣ / ١٦٨٧ وقال التبريزي : متفق عليه. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ / ٢٣٠.

٨

لأبي : ما قال؟ قال : كلهم من قريش (١).

٦ ـ وأخرج مسلم ـ واللفظ له ـ وأحمد عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول : لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش ... (٢).

٧ ـ وأخرج الترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون من بعدي اثنا عشر أميراً. ثم تكلم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال : كلهم من قريش (٣).

٨ ـ وأخرج أبو داود حديث الخلفاء الاثني عشر بثلاثة طرق صحيحة (٤).

قال في أحدها : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلهم تجتمع عليه الأمة. فسمعت كلاماً من النبي لم أفهمه ، قلت لأبي : ما يقول؟ قال : كلهم من قريش (٥).

وقال في آخر : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة. قال : فكبَّر الناس وضجّوا ، ثم قال كلمة خفية. قلت

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٣ كتاب الامارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش. مسند احمد بن حنبل ٥ / ٩٨ ، ١٠١. وفي ص ٩٦ قال : عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه ، لا يضره من فارقه أو خالفه. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ / ٢٣٠.

(٢) صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٣ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ، والخلافة في قريش. مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٨٦ ، ٨٨ ، ٨٩. سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢ / ٦٩٠.

(٣) سنن الترمذي ٤ / ٥٠١ قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٩٢ ، ٩٤ ، ٩٩ ، ١٠٨.

(٤) صححها الالباني في صحيح سنن أبي داود ٣ / ٨٠٧.

(٥) سنن أبي داود ٤ / ١٠٦ كتاب المهدي. وهذا الحديث ذكره البيهقي في دلائل النبوة ٦ / ٥٢٠ والألباني في صحيح الجامع الصغير ٢ / ١٢٧٤ بعين لفظه ، وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ، ص ٥١٨ بلفظ متقارب.

٩

لأبي : يا أبه ، ما قال؟ قال : كلهم من قريش (١).

٥ ـ وأخرج أحمد ـ واللفظ لغيره ـ ، والحاكم في المستدرك ، والهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في الأوسط والكبير والبزَّار ، أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضي اثنا عشر خليفة. وخفض بها صوته ، فقلت لعمي وكان أمامي : ما قال يا عم؟ قال : كلهم من قريش (٢).

٦ ـ وأخرج أحمد في المسند ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، وابن حجر في المطالب العالية ، والبوصيري في مختصر الإتحاف ، عن مسروق ، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ، فقال : هل حدَّثكم نبيَّكم كم يكون بعده من الخلفاء؟ قال : نعم ، وما سألني عنها أحد قبلك وإنك لمن أحدث القوم سنًّا.

قال : يكونون عدّة نقباء موسى ، اثني عشر نقيباً (٣).

٧ ـ وأخرج أحمد وأبو نعيم والبغوي عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ... (٤)

__________________

(١) سنن أبي داود ٤ / ١٠٦ كتاب المهدي. وذكره الخطيب في تاريخ بغداد ٢ / ١٢٦ ، وأخرجه أحمد في المسند ٥ / ٩٨ ، ٩٩ وفيه : ثم لغط القوم وتكلموا. وفي نفس الصفحة : فجعل الناس يقومون ويقعدون.

(٢) مسند أحمد ٥ / ٩٧ ، ١٠٧ إلا أن فيه : لا يزال هذا الامر صالحاً. المستدرك ٣ / ٦١٨. مجمع الزوائد ٥ / ١٩٠ قال الهيثمي : رجال الطبراني رجال الصحيح. ورواه عن جابر في ص ١٩١ وقال : رجاله ثقات.

(٣) مسند أحمد بن حنبل ١ / ٣٩٨ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٩٠ ، المطالب العالية ٢ / ١٩٧. مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ٦ / ٤٣٦. وهذا الحديث حسنه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ١٣ / ١٨١ ، وابن حجر الهيتمي في تطهير الجنان واللسان ، ص ٣١٣ ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ، ص ٨ ، والبوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ٦ / ٤٣٦.

(٤) مسند أحمد بن حنبل ١ / ٣٩٨. حلية الاولياء ٤ / ٣٣٣. شرح السنة ١٥ / ٣٠ قال البغوي : هذا حديث صحيح.

١٠

٨ ـ وأخرج أحمد بن حنبل في المسند ـ واللفظ له ـ ، والحاكم النيسابوري في المستدرك عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في حجّة الوداع : لا يزال هذا الدين ظاهراً على من ناواه ، لا يضرّه مخالف ولا مفارق ، حتى يمضي من أمتي اثنا عشر أميراً ، كلهم. ثم خفي من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : يقول : كلهم من قريش (١).

إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة (٢).

مَن هم الخلفاء الاثنا عشر؟

لقد حاول علماء أهل السنة كشف المراد بالخلفاء الاثني عشر في الأحاديث السابقة ، بما يتَّفق مع مذهبهم ، ويلتئم مع معتقدهم ، فذهبوا ذات اليمين وذات الشمال لا يهتدون إلى شيء.

وحاولوا جاهدين أن يصرفوا هذه الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، ويجعلونها في غيرهم ممن لا تنطبق عليهم الأوصاف الواردة فيها ، فتاهوا وتحيَّروا ، حتى ذهبوا إلى مذاهب عجيبة ، وصدرت منهم أقوال غريبة ، وأقرَّ بعضهم بالعجز ، واعترف بعضهم بعدم وضوح معنى لهذه الأحاديث تركن إليه النفس.

قال ابن الجوزي في كشف المشكل : هذا الحديث قد أطلتُ البحث عنه ، وتطلَّبتُ مظانّه ، وسألتُ عنه ، فما رأيت أحداً وقع على المقصود به ... (٣).

وقال ابن بطال عن المهلب : لم ألقَ أحداً يقطع في هذا الحديث ـ يعني

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٨٧ ، ٨٨ ، ٩٠. المستدرك ٣ / ٦١٧.

(٢) راجع المعجم الكبير للطبراني ٢ / ١٩٥ وما بعدها ، ح ١٧٩١ ـ ١٨٠١ ، ١٨٠٨ ، ١٨٠٩ ، ١٨٤١ ، ١٨٤٩ ـ ١٨٥٢ ، ١٨٧٥ ، ١٨٧٦ ، ١٨٨٣ ، ١٨٩٦ ، ١٩٢٣ ، ١٩٣٦ ، ١٩٦٤ ، ٢٠٠٧ ، ٢٠٤٤ ، ٢٠٥٩ ـ ٢٠٦٣ ، ٢٠٦٧ ـ ٢٠٧١ ، ٢٠٧٣.

(٣) كشف المشكل ١ / ٤٤٩ ، وذكر ابن حجر هذه العبارة في فتح الباري ١٣ / ١٨١.

١١

بشيء معين (١).

اختلاف أهل السنة في الخلفاء الاثني عشر :

لقد كثرت أقوالهم في هذه المسألة ، واختلفت آراؤهم اختلافاً عظيماً ، وتضاربت تضارباً شديداً ، ومع كثرة تلك الأقوال لا تجد فيها قولاً خالياً من الخدش والخلل ، وأهم ما عثرت عليه من أقوالهم في هذه المسألة ثمانية أقوال ، وإليك بيانها ، وبيان ما فيها :

١ ـ رأي القاضي عياض والحافظ البيهقي :

قال القاضي عياض (٢) : لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزَّة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره ، والاجتماع على مَن يقوم بالخلافة ، وقد وُجد فيمن اجتمع عليه الناس ، إلى أن اضطرب أمر بني أمية ، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد ، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية ، فاستأصلوا أمرهم (٣).

قال ابن حجر العسقلاني : كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه ، لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة : « كلّهم يجتمع عليه الناس » ، وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته ،

__________________

(١) المصدر السابق ١٣ / ١٨٠.

(٢) قال السيوطي في طبقات الحفاظ ، ص ٤٦٨ : القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض العلامة عالم المغرب أبو الفضل اليحصبي السبتي الحافظ ، ولد سنة ٤٧٦ هـ ، وأجاز له أبو علي النسائي ، وتفقه وصنف التصانيف التي سارت بها الركبان كـ ( الشفا ) و ( طبقات المالكية ) و ( شرح مسلم ) ، و( المشارق ) في الغريب ، و ( شرح حديث أم زرع ... وبعد صيته ، وكان إمام أهل الحديث في وقته ، وأعلم الناس بعلومه ، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. ولي القضاء سبتة ثم غرناطة ، ومات ليلة الجمعة سنة ٥٤٤ هـ بمراكش.

(٣) المصدر السابق ١٣ / ١٨٠.

١٢

والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، إلى أن وقع أمر الحَكَمين في صفِّين ، فتسمَّى معاوية يومئذ بالخلافة ، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ، ثم اجتمعوا على ولده يزيد ، ولم ينتظم للحسين أمر ، بل قُتل قبل ذلك ، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة : الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ، وتخلل بين سليمان ويزيد : عمرُ بن عبد العزيز ، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين ، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، اجتمع الناس عليه لما مات عمّه هشام ، فولي نحو أربع سنين ، ثم قاموا عليه فقتلوه ، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك ... (١).

وهذا هو قول البيهقي (٢) أيضاً في دلائل النبوة ، حيث قال بعد أن ساق بعضاً من الأحاديث السابقة : وقد وُجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية ، ثم ظهر ملك العباسية ... (٣).

ثم قال : والمراد بإقامة الدين ـ والله أعلم ـ إقامة معالمه وإن كان بعضهم

__________________

(١) المصدر السابق ١٣ / ١٨٢.

(٢) قال السيوطي في طبقات الحفاظ ، ص ٤٣٣ : البيهقي الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي صاحب التصانيف ، ولد سنة ٣٨٤ هـ ، ولزم الحاكم وتخرج به ، وأكثر عنه جداً ، وهو من كبار أصحابه ، بل زاد عليه بأنواع العلوم. كتب الحديث وحفظه من صباه ، وبرع وأخذ في الأصول ، وانفرد بالإتقان والضبط والحفظ ، ورحل ... وعمل كتباً لم يسبق إليها ( كالسنن الكبرى ) ، و ( الصغرى ) ، و ( شعب الايمان ) ، و ( الاسماء والصفات ) ، و ( دلائل النبوة ) وغير ذلك مما يقارب ألف جزء. مات سنة ٤٥٨ هـ بنيسابور ، ونقل في تابوت الى بيهق ( بتصرف ).

(٣) دلائل النبوة ٦ / ٥٢٠.

١٣

يتعاطى بعد ذلك ما لا يحل (١).

أقـول :

١ ـ يرُدّ هذا القول وسائر أقوالهم ما رواه القوم عن سفينة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : الخلافة ثلاثون سنة ، ثم تكون بعد ذلك ملكاً (٢).

ولأجل هذا صرَّحوا بأن الخلافة عندهم منحصرة في أربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي استناداً إلى هذا الحديث ، أو خمسة بضميمة عمر بن عبد العزيز (٣) ، فكيف صار غير هؤلاء خلفاء مع أن الحديث نصَّ على أن ما بعد ثلاثين سنة لا تكون خلافة ، بل يكون ملك.

وفي سنن الترمذي : قال سعيد : فقلت له [ أي لسفينة راوي الحديث ] :

__________________

(١) المصدر السابق ٦ / ٥٢١.

(٢) أخرجه أبو داود في سننه ٤ / ٢١١ ح ٤٦٤٦ ، ٤٦٤٧ ، والترمذي في سننه ٤ / ٥٠٣ وقال : هذا حديث حسن ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩ / ٤٨ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٧١ ، ١٤٥ ، وأحمد في المسند ٥ / ٢٢٠ ، ٢٢١ ، والبيهقي في دلائل النبوة ٦ / ٣٤٢ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣ / ٨٧٩ ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ١ / ٧٤٢ ح ٤٥٩ ، ونقل تصحيحه عن الحاكم والذهبي وابن حبان وابن حجر وابن جرير الطبري وابن تيمية ، ونقل عنه اعتماد الإمام أحمد عليه ، وأنه متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السنة. ورد الالباني على من ضعف الحديث كابن خلدون في تاريخه ، وأبي بكر بن العربي في العواصم من القواصم ، ثم قال : فقد تبين بوضوح سلامة الحديث من علة قادحة في سنده ، وأنه صحيح محتج به.

(٣) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ، ص ١٨٣ : عمر بن عبد العزيز بن مروان ، الخليفة الصالح أبو حفص ، خامس الخلفاء الراشدين. وقال الذهبي في كتابه العبر ١ / ٩١ : في رجب [ سنة إحدى ومائة ] توفي الإمام العادل أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز. وأخرج أبو داود في سننه ٤ / ٢٠٧ : عن سفيان الثوري أنه قال : الخلفاء خمسة : ابو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز.

١٤

إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم. قال : كذبوا بنو الزرقاء ، بل هم ملوك من شر الملوك.

وفي سنن أبي داود : قلت لسفينة : إن هؤلاء يزعمون أن علياً لم يكن بخليفة. قال : كذبت أستاه بني الزرقاء ـ يعني بني مروان (١).

وقال القاضي عياض وغيره في الجمع بين حديث سفينة وحديث الخلفاء الاثني عشر : إنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة ، ولم يقيّده في حديث جابر ابن سمرة بذلك (٢).

وقال الألباني : وهذا جمع قوي ، ويؤيّده لفظ أبي داود : ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ) ، فلا ينافي مجيء خلفاء آخرين من بعدهم ، لأنهم ليسوا خلفاء النبوة ، فهؤلاء هم المعنيون في الحديث لا غيرهم ، كما هو واضح (٣).

ويردّه : أن خلافة النبوة هذه لم يذكر لها علماء أهل السنة معنى واضحاً ، واختلفوا في بيان المراد منها ، فمنهم من قال بأن خلافة النبوة هي التي لا طلب فيها للملك ولا منازعة فيها لأحد (٤). فعليه تخرج خلافة أمير المؤمنين الإمام علي عليه‌السلام عن كونها خلافة نبوة ، لمنازعة أهل الجمل وأهل النهروان ومعاوية وأهل الشام له (٥) ، مع أنهم ذكروا أن خلافته عليه‌السلام خلافة نبوة. وهذا تهافت واضح.

ومنهم مَن ذكر أن خلافة النبوة إنما تكون لمن عملوا بالسُّنَّة ، فإذا خالفوا

__________________

(١) سنن أبي داود ٤ / ٢١٠. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣ / ٨٧٩.

(٢) فتح الباري ١٣ / ١٨٠.

(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١ / ٧٤٨.

(٤) هذا القول للطيبي ، نقله في عون المعبود ١٢ / ٣٨٨.

(٥) ذهب إلى ذلك ابن أبي العز حيث قال : إن زمان علي لم ينتظم فيه الخلافة ولا الملك. وستأتي كلمته قريباً. وقال الطيبي كما في عون المعبود ١٢ / ٣٨٨ : إن الخلافة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما مشوبة بالملك.

١٥

السنّة وبدّلوا السيرة فهم ملوك وإن تسمّوا بالخلفاء (١).

وعليه تكون خلافة النبوة أكثر من ثلاثين سنة ، لاتفاقهم على أن عمر بن عبد العزيز كان يعمل بالسنّة ، ولعدّهم إياه من الخلفاء الراشدين ، مع أنهم لم يذكروه من ضمن مَن كانت خلافتهم خلافة نبوة.

ومنهم من قال : إن المراد بالخلافة في حديث سفينة هي الخلافة الحقَّة أو المرضية لله ورسوله ، أو الكاملة ، أو المتصلة (٢).

وعليه فتكون خلافة النبوة هي خلافة أمير المؤمنين الإمام علي عليه‌السلام وابنه الحسن عليه‌السلام فقط دون غيرهما ، لما سيأتي في الفصل الثاني عند الحديث في خلافة أبي بكر.

ولو سلَّمنا أن خلافة الأربعة كانت مرضيّة لله ورسوله أو كاملة أو غير ذلك فلا بد أن يُضاف إليها عندهم خلافة عمر بن عبد العزيز ، فتكون خلافة النبوة حينئذ أكثر من ثلاثين سنة.

والصحيح أن يقال في هذا الحديث على تقدير صحَّته : إن خلافة النبوة لا يمكن أن يراد بها إلا الخلافة التي كانت بنصّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمَن استخلفه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأمة فهو خليفة النبي ، وخلافته هي خلافة النبوة ، ومَن لم يستخلفه واستخلفه الناس فهو خليفتهم ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلف عليّاً عليه‌السلام ، وسيأتي ذكر النصوص الدالة على ذلك في الفصل المذكور إن شاء الله تعالى.

وعليه يكون معنى حديث سفينة : إن خلافة النبوة ـ وهي خلافة علي بن أبي طالب عليه‌السلام ـ تستمر إلى ثلاثين سنة ، ثم يتولى أمور المسلمين الملوك. وعدم تمكّن أمير المؤمنين عليه‌السلام من تولي أمور المسلمين ، أو عدم اتّباع الناس له إلا النفر القليل لا يسلب عنه الخلافة بعد حكم الشارع المقدس بها ونصّه

__________________

(١) ذكر ذلك الإمام البغوي في شرح السنة ١٤ / ٧٥ ، والمناوي في فيض القدير ٣ / ٥٠٩.

(٢) هذا القول للملا علي القاري في مرقاة المفاتيح ٩ / ٢٧١.

١٦

عليها ، وهذا له نظائر كثيرة في الأصول والفروع لا تخفى (١).

وأما حديث الخلفاء الاثني عشر فهو بيان لعدد أئمة الهدى وخلفاء الحق وسادة الخلق المنصوبين من الله سبحانه ، الذين لا يضرهم من ناواهم ، ويكون الإسلام بهم عزيزاً ، وبذلك يتّضح ألا منافاة بين الحديثين بهذين المعنيين.

٢ ـ إن أكثر مَن ذكرهم لم يجتمع عليه الناس ، فإن عثمان وإن تمَّت له البيعة واجتماع الناس في أول خلافته ، إلا أن الأمور انتقضت عليه بعد ذلك حتى قتله الناس ، وأما علي بن أبي طالب عليه‌السلام فلم يجتمع عليه الناس من أول يوم في خلافته ، وذلك لأن أهل الشام لم يبايعوه ، وهم كثيرون ، وخرج عليه طلحة والزبير وعائشة ، فحاربهم في البصرة ، ثم خرج عليه الخوارج فحاربهم في النهروان ... وكل ذلك كان في أقل من خمس سنين.

قال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية : علي رضي‌الله‌عنه ... لم يجتمع الناس في زمانه ، بل كانوا مختلفين ، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك (٢).

فعلى ذلك لا يكون علي عليه‌السلام من هؤلاء الخلفاء عندهم.

وأما يزيد بن معاوية فلم يبايعه الحسين بن علي عليه‌السلام وأهل بيته حتى قُتلوا في كربلاء ، وخرج عليه أهل المدينة ، وأخرجوا منها عامله وسائر بني أمية ، فوقعت بينهم وبينه وقعة الحرة ، وخرج عليه ابن الزبير في مكة واستولى عليها ... فأي اجتماع حصل له!؟

٣ ـ أن معاوية ومن جاء بعده من ملوك بني أمية وغيرهم لم يجتمع عليهم الناس ، بل كانوا متغلِّبين على الأمَّة بالقوة والقهر ، ومن الواضح أن هناك فرقاً

__________________

(١) منها : أن وصف الرسالة والنبوة لا يرتفع عن النبي والرسول بسبب عدم اتباع الناس له ، وصاحب المال أو المتاع لا يحكم بصيرورة المال لغيره بمجرد عدم تمكنه من التصرف فيه ، وتمكن غيره منه ، وهو واضح معلوم.

(٢) شرح العقيدة الطحاوية ، ص ٤٧٣.

١٧

بيِّناً بين اجتماع الناس على شيء وجمعهم عليه ، فإن الاجتماع مأخوذ في معناه اختيار المجتمعين ، وأما الجمع فمأخوذ فيه عدم الاختيار ، والذي حصل لبني أمية هو الثاني ، والمذكور في الحديث هو الأول ، وهذا واضح معلوم لمن نظر في تاريخ بني أمية وسيرتهم في الناس.

وقد روي فيما يدلِّل ذلك الكثير ، ومنه ما روي عن سعيد بن سويد ، قال : صلى بنا معاوية بالنخيلة ـ يعني خارج الكوفة ـ الجمعة في الضحى ، ثم خطبنا فقال : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك ، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون (١).

٤ ـ أن الخلفاء حسبما ذكر في كلامه يكونون ثلاثة عشر لا اثني عشر ، وهم :

١ ـ أبو بكر.

٢ ـ عمر.

٣ ـ عثمان.

٤ ـ الإمام عليعليه‌السلام

٥ ـ معاوية.

٦ ـ يزيد بن معاوية

٧ ـ عبد الملك.

٨ ـ الوليد.

٩ ـ سليمان.

١٠ ـ عمر بن عبد العزيز.

١١ ـ يزيد بن عبد الملك.

١٢ ـ هشام بن عبد الملك

١٣ ـ الوليد بن زيد.

قال ابن كثير : إن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد أكثر من اثني عشر على كل تقدير (٢).

٢ ـ رأي ابن حجر العسقلاني :

قال ابن حجر العسقلاني : الأَولى أن يحمل قوله : ( يكون بعدي اثنا عشر خليفة ) على حقيقة البَعْدية ، فإن جميع من ولي الخلافة مِن الصدِّيق إلى عمر

__________________

(١) البداية والنهاية ٨ / ١٣٤.

(٢) المصدر السابق ٦ / ٢٥٥.

١٨

ابن عبد العزيز أربعة عشر نفساً ، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدَّتهما ، وهما معاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء كما أخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

إلى أن قال : ولا يقدح في ذلك قوله : ( يجتمع عليه الناس ) ، لأنه يُحمَل على الأكثر الأغلب ، لأن هذه الصفة لم تفقد إلا في الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير مع صحة ولايتهما ، والحُكم بأن مَن خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن ، وبعد قتل ابن الزبير ، والله أعلم (١).

أقـول : على هذا القول يكون الخلفاء الاثنا عشر هم :

١ ـ أبو بكر.

٢ ـ عمر.

٣ ـ عثمان.

٤ ـ الإمام عليعليه‌السلام

٥ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام

٦ ـ معاوية

٧ ـ يزيد بن معاوية

٨ ـ عبد الله بن الزبير.

٩ ـ عبد الملك.

١٠ ـ الوليد.

١١ ـ سليمان.

١٢ ـ عمر بن عبد العزيز.

وقوله : « يجتمع عليه الناس » محمول على الأكثر الأغلب ، يردّه أن مجيء التأكيد بـ « كل » في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كلّهم يجتمع عليه الناس » الدال بالنصّ على العموم يقدح في هذا القول.

هذا مع أن الصفة المذكورة ـ وهي اجتماع الناس ـ فُقدت في غير الحسن عليه‌السلام وابن الزبير كما مر آنفاً.

وقوله : « إن معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم لم تصح ولايتهما » يردّه أن يزيد بن معاوية إن كانت ولايته صحيحة كما قال ، فنص يزيد على ابنه من بعده يصحِّح ولايته بلا ريب ولا شبهة وإن لم تطل مدّته. وإن كان التغلّب على أمور المسلمين يصحّح خلافة معاوية ، فتغلّب مروان بعد ذلك مصحِّح لخلافته.

__________________

(١) المصدر السابق ١٣ / ١٨٢.

١٩

ثم إن جعله طول الولاية دليلاً على صحَّتها واعتبارها لا يمكن التسليم به ، فإنه لم يقل به أحد ، هذا مع أنه اعتبر ولاية الإمام الحسن عليه‌السلام التي دامت ستة أشهر ، ولم يعتبر ولاية مروان بن الحكم التي دامت نفس المدة.

ومن الغريب أنه زعم أن عبد الملك بن مروان لم يثبت استحقاقه للخلافة إلا بعد قيامه على الخليفة الحق عنده آنذاك وهو عبد الله بن الزبير وقتله.

والذي يظهر من كلام ابن حجر أنه يرى أن كل أولئك الحكَّام كانوا متأهِّلين للخلافة مستحقّين لها ، مع أن يزيد بن معاوية مثلاً لا يختلف المنصفون في عدم أهليته للخلافة وعدم استحقاقه لها ، لأنه تولَّى ثلاث سنين : السنة الأولى قتل فيها الحسين عليه‌السلام ، والسنة الثانية أباح فيها المدينة ، والسنة الثالثة هدم فيها الكعبة ... فكيف يكون من الخلفاء الذين يكون الإسلام بهم عزيزاً منيعاً قائماً؟!

وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

٣ ـ قول ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية :

قال ابن أبي العز الحنفي (١) : والاثنا عشر : الخلفاء الراشدون الأربعة ، ومعاوية وابنه يزيد ، وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة ، وبينهم عمر بن عبد العزيز ثم أخذ الأمر في الانحلال ، وعند الرافضة أن أمر الأمَّة لم يزل في أيام هؤلاء فاسداً منغَّصاً ، يتولّى عليه الظالمون المعتدون ، بل المنافقون

__________________

(١) قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ٦ / ٣٢٦ : صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الصالحي ، اشتغل قديماً ومهر ودرس وأفتى وخطب بحسبان مدة ، ثم ولي قضاء دمشق في سنة ٧٧٩ هـ ، ثم ولي قضاء مصر بعد ابن عمه ، فأقام شهراً ثم استعفى ورجع الى دمشق على وظائفه ، ثم بدت منه هفوة فاعتقل بسببها ، وأقام مدة مقتراً خاملاً إلى أن جاء الناصري ، فرفع إليه أمره فأمر برد وظائفه ، فلم تطل مدته بعد ذلك ، وتوفي في سنة ٧٩٢ هـ ( بتصرف ).

٢٠