سلّمنا ولكنّه تخصيص للأكثر على وجه لا يكاد يلتزم به المنصف ، فلا بدّ من أن يحمل على المعنى الثاني ، كما يشعر بذلك ورودها بهذا المعنى في كثير من الموارد في القرآن الكريم وغيره ، كما في الأمر بإطاعة الوالدين (١) ، إذ ليس المراد بها فيه إلاّ مجرّد عدم المخالفة. وكما في قوله تعالى : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً )(٢) فإنّ مقابلة التولّي بالإطاعة من أقوى الشواهد على أنّ المراد بها في الآية عدم المخالفة ، وقوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا )(٣) ، وقوله : ( أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ )(٤) ، وفي الزيارات : « من أطاعكم فقد أطاع الله ومن عصاكم فقد عصى الله » (٥) فإنّ مقابلة العصيان ـ كمقابلة التولّي ـ يؤذن بالمراد منها.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من أنّ المراد بالإطاعة هو عدم المعصية ، ليس على وجه المجازيّة ، لما ستعرف : من أنّه قد يمكن أن يكون المقصود أعمّ من مدلول اللفظ بحسب الظاهر ، على وجه لا سبيل إلى التأدية عن ذلك المعنى المقصود الأعمّ إلاّ على الوجه الغير المفيد لخصوص المراد ، على خلاف الواجبات التعبّديّة ، فإنّ المقصود منها التعبّد بها ، مع أنّه لا يمكن أن يكون المفاد للأمر الدالّ عليه.
وبالجملة ، فالمقصود بهذه الأوامر ليس إلاّ مجرّد عدم الترك ، إلاّ أنّ اللفظ المفيد لذلك المعنى يفيد معنى آخر ليس مرادا. وإن أبيت عن ذلك فالمجاز ممّا يجب
__________________
(١) الإسراء : ٢٣ ـ ٢٤.
(٢) النساء : ٨٠.
(٣) النور : ٥٤.
(٤) آل عمران : ٣٢.
(٥) كما في الزيارة الجامعة ، انظر الفقيه ٢ : ٦١٧.
![مطارح الأنظار [ ج ١ ] مطارح الأنظار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F991_matarh-alansar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
