فعلى الأوّل : لا مانع من جعله أصلاً إذا كان الغرض منه عدم تحقق الشرط والموضوع في الخارج ، من دون فرق بين أن يكون الجعل على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية ، كما إذا قال المولى لعبده أو الأب لابنه : إن كذبت مثلاً فعليك دينار ، مع علمه بأنّ جعل وجوب الدينار عليه على تقدير كذبه موجب لعدم صدور الكذب منه ، فيكون غرضه من جعله ذلك.
وكما إذا فرض أنّ جعل الكفارات في الشريعة المقدّسة على ارتكاب عدّة من المحرمات يوجب عدم تحققها في الخارج ، كوجوب القصاص المترتب على القتل الاختياري إذا فرض أنّه موجب لعدم تحقق القتل خارجاً ، ووجوب الحد للزاني وقطع اليد للسارق وما شاكل ذلك ، إذا فرض أنّ جعل هذه الامور أوجب عدم تحقق ما هو الموضوع والشرط لها وهو الزنا في المثال الأوّل والسرقة في المثال الثاني ونحوهما ، ومن المعلوم أنّه لا مانع من مثل هذا الجعل أصلاً ، بل هو مما تقتضيه المصلحة العامة كما في القضايا الحقيقية ، والمصلحة الخاصة كما في القضايا الخارجية ، ضرورة أنّ الغرض من جعل هذه الامور هو عدم تحقق موضوعها في الخارج ، فإذا فرض أنّ المولى علم بأنّ جعلها يوجب عدم تحقق موضوعها فيه مطلقاً فهو أولى بالجعل مما لم يعلم المولى أنّه يوجبه. فالنتيجة :أ نّه لا شبهة في إمكان ذلك ، بل في وقوعه خارجاً في العرف والشرع.
وعلى الثاني : وهو ما إذا كان انتفاء الشرط من غير ناحية اقتضاء الجعل له ، فهو لغو محض فلا يصدر من المولى الحكيم ، مثل أن يأمر بركعتين من الصلاة مثلاً على تقدير الصعود إلى السماء أو على تقدير اجتماع الضدّين أو نحو ذلك ، أو أن يأمر بوجوب الحج على تقدير الاستطاعة في الخارج مع علمه فرضاً بعدم تحققها فيه أصلاً ... وهكذا ، فانّه لا شبهة في أنّ جعل مثل هذا الحكم لغو صرف فلا يترتب عليه أيّ أثر شرعي ، ومعه يستحيل صدوره منه.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٤٥ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F930_mohazerat-fi-osolalfeqeh-45%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
