العلتين المستقلتين على معلول واحد ، فلو كان لله تعالى أيضا مشيئة في فعله ذلك ـ كما يظهر من بعض الآيات والروايات المتقدمة وغير ها ـ فلا محالة يكون متعلقها مقدمات ذلك الفعل وأسبابه والدواعي إليه ، وحدود القدرة المفاضة إليه ، والمعونة والخذلان فيه.
ويكون المراد من تلك الروايات نفي التفويض لا إثبات الجبر ، كما يشهد عليه ـ مضافا إلى ما مرّ ـ أنّها نزلت وصدرت عن الله تعالى شأنه ، وعن رسوله وخلفائه الذين من ضروريات دينهم نفي الجبر ، فكيف يحتمل العاقل المنصف أنّهم أرادوا بها إثباته. مضافا إلى ما ورد منهم في تفسير ها وبيان المراد منها.
هذا بعض الكلام في نفي الجبر في أفعال العباد.
وأمّا التفويض فهو أيضا مما دلّت الأدلّة العقلية والنقلية على نفيه في أفعالنا ، ولعلّ الدليل النقلي بل العقلي ـ بعد معرفة الإنسان نفسه ـ عليه أكثر ، والمؤمن إلى التذكّر به والتوجّه إليه ـ دفعا للوقوع في الشرك ولتوهّم الاستقلال وغير هما من المفاسد ـ أحوج.
ومما يدلّ عليه عقلا : أنّ حقيقة الإنسان كسائر الموجودات شيء قائم بالغير ، أي لا قوام له إلاّ بالله تعالى ، فهو في كل آن محتاج في شيئيته وبقائه إليه تعالى ، وهو بعد الوجود والتكوّن فاقد بذاته لجميع الكمالات من الحياة والشعور والفهم والعقل والقدرة وغير ها ، ومحتاج ـ في وجدانه لها وفي بقائها له في كل آن أيضا ـ إليه تعالى شأنه.
مضافا إلى أن تمكّنه من الأفعال الخارجية إنّما هو بالآلات البدنية وبالأسباب ، وهي كلها في وجودها وتهيّئها للإنسان محتاجة إليه تعالى ، وأيضا للإنسان دواع كثيرة ، وكل واحدة منها يجرّ الإنسان إلى العمل بمقتضاه ، فمع هذه الفاقة والحاجة في جميع شئونه إليه تعالى كيف يجوز له الاعتقاد بالتفويض في أفعاله؟!
ويدلّ عليه ـ مضافا إلى الآيات والروايات المتقدم بعضها الدالة على تعلق الامور مطلقا على مشيئة الله ـ آيات اخر يظهر منها ذلك.
( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) (١).
( وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ
__________________
(١) هود ٣٤.
