فإن عاقبه وأضرّ به تداركاً لما أحسن إليه كان أولى من جمع الإضرارين على المسيء ، وقيل : إنّما كان المذنب أولى بالإحسان لأنّه لا يرضى بالذنب كما يدلّ عليه جبره عليه ، والمحسن أولى بالعقوبة لأنّه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه ، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الّذي يرضى به .
ويحتمل أن يكون هذا متفرّعاً على ما مرّ أي إذا بطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والوعد والوعيد لكان المذنب أولى الخ ؛ ووجهه أنّه لم يبق حينئذ إلّا الإحسان والعقوبة الدنيويّة ، والمذنب في الدنيا متنعّم بأنواع اللّذات ، وليست له مشقّة التكاليف الشرعيّة ، والمحسن في التعب والنصب بارتكاب أفعال لا يشتهيها ، وترك ما يلتذّ بها مقترّ عليه لاجتناب المحرّمات من الأموال ، فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر ممّا وقع للمحسن ، فهو أولى بالإحسان من المحسن ، والعقوبة الواقعة على المحسن أكثر ممّا وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب . (١) والقدريّة في هذا الخبر اُطلقت على الجبريّة وقوله : لم يعص على بناء المفعول ، وكذا قوله : ولم يطع مكرهاً ـ بكسر الراء ـ وفي الفتح تكلّف .
وفي الكافي بعد ذلك : ولم يملك مفوّضاً . إشارة إلى نفي التفويض التامّ ، بحيث لا يقدر على صرفهم عنه ، أو بحيث لا يكون لتوفيقه وهدايته مدخل فيه .
٢٠ ـ يد ، ن : ابن مسرور ، عن ابن عامر ، عن معلي بن محمّد البصريّ ، عن
____________________
(١) وذكر وجهين آخرين في كتابه المرآة أيضا ، أحدهما أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا باحداث اللذات فيه فينبغي أن يكون في الاخرة أيضا كذلك ، لعدم تغير الذوات في النشأتين ، وإذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا وإيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الاخرة أيضا ينبغي أن يكون كذلك . الثاني ما قيل : لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح والسيئات منه متألم منكسر البال ، لظنه أنها وقعت منه باختياره وقد كانت بجبر جابر وقهر قاهر فيستحق الاحسان ، وأن المحسن لفرحاته بصدور الحسنات عنه وزعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب أقول : لعل قوله : ولكان المحسن أولى إهـ فيه تصحيف ، وصحيحه كما في شرح التجريد في رواية الاصبغ : ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن . أو كما ياتى في حديث ١٩ من الباب الثالث : ولا كان المحسن أولى إهـ ومعناه ظاهر لا يحتاج إلى شيء من التوجيهات المذكورة ، لان العبد اذا كان مجبوراً على الفعل مسلوباً عنه الاختيار كان المحسن والمسيء كلاهما متساويين في عدم صحة استناد الاحسان والاساءة إليهما فلا يكون أحدهما أولى بالمدح أو الذم من الاخر .
![بحار الأنوار [ ج ٥ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F516_behar-alanwar-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

