الحسن بالأشجار المثمرة (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (٣) مكة لأمن الناس فيها جاهلية وإسلاما (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) الجنس (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) تعديل لصورته (ثُمَّ رَدَدْناهُ) في بعض أفراده (أَسْفَلَ سافِلِينَ) (٥) كناية عن الهرم والضعف ، فينقص عمل المؤمن عن زمن الشباب ويكون له أجره لقوله تعالى (إِلَّا) أي لكن (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٦) غير مقطوع ، وفي الحديث : «إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل» (فَما يُكَذِّبُكَ) أيها الكافر (بَعْدُ) أي بعد ما ذكر من خلق الإنسان في أحسن صورة ، ثم رده إلى أرذل
____________________________________
الثلاث على النون ، مع لزومه الياء في أحواله كلها ، ويكون ممنوعا عن الصرف للعلمية والعجمة ، لأنه علم على البقعة أو الأرض ، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعا ، وبالياء نصبا وجرا. قوله : (لأمن الناس فيها) أي فلا ينفر صيده ولا يقطع شجره. قوله : (الجنس) أي الماهية من حيث هي الشاملة للمؤمن والكافر.
قوله : (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أي في أعدل قامة وأحسن صورة ، يتناول مأكوله بيده. مزينا بالعلم والفهم والعقل والتمييز والنطق والأدب. قوله : (في بعض أفراده) أشار بذلك إلى أن في الآية استخداما ، حيث ذكر الإنسان أولا بمعنى وهو الجنس ، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده. قوله : (أَسْفَلَ سافِلِينَ) السافلون هم الصغار والزمنى والأطفال ، فالشيخ الكبير أسفل من هؤلاء ، لأنه لا يستطيع حيلة ، ولا يهتدي سبيلا ، لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله عن أهله وجيرانه. قوله : (كناية عن الهرم والضعف) أي فالمعنى : ثم جعلناه ضعيفا هرما فهو بمعنى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ* وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) وما ذكره المفسر أحد قولين في المراد بالرد إلى أسفل سافلين ، والآخر أن المراد (رَدَدْناهُ) إلى النار ، لأنها دركات بعضها أسفل من بعض.
قوله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الخ ، مشى المفسر على أن الاستثناء منقطع ، وحينئذ فيكون المعنى (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) فزال عقله وانقطع عمله ، فلا يكتب له حسنة ، (لكن) (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف ، فإنه يكتب لهم بعد الهرم والخرف ، مثل الذي كانوا يعملونه في حال الشباب والصحة ، وأما على القول الآخر ، فالاستثناء متصل ، ويكون المعنى : رددناه أسفل ممن سفل خلقا وتركيبا ، حسا ومعنى ، وهم أهل النار (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) الخ ، فيكون بمعنى قوله تعالى : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.) قوله : (غير مقطوع) أي ولا يمن به عليهم. قوله : (من الكبر ما يعجزه) (من) تعليلية و (ما) مفعول به واقعة على زمان. والمعنى : إذا بلغ المؤمن سبب الكبر زمانا يعجز فيه عن العمل ، وفي بعض النسخ ما يعجزه ، وحينئذ فيكون من الكبر بيان لما مقدما عليه ، والمعنى : إذا بلغ المؤمن كبرا يعجزه عن العمل.
قوله : (فَما يُكَذِّبُكَ) الخ ، الاستفهام إنكاري ، والخطاب للإنسان الكافر بطريق الالتفات ، المعنى : فا الذي حملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث؟ أي أي سبب يحملك على التكذيب؟ ففي الكلام تعجب وتعجيب ، وذلك أنه تعالى لما قرر أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رده إلى أرذل العمر ، دل على كمال قدرته على الإنشاء والإعادة ، سأل بعد ذلك عن تكذيب الإنسان بالجزاء ، لأن ما
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
