صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ) الآية (فَقالُوا) لقومهم لما رجعوا إليهم (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) (١) يتعجب منه في فصاحته وغزارة معانيه وغير ذلك (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) الإيمان والصواب (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ) بعد اليوم (بِرَبِّنا أَحَداً) (٢) (وَأَنَّهُ) الضمير للشأن فيه وفي الموضعين بعده (تَعالى جَدُّ رَبِّنا) تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً) زوجة (وَلا وَلَداً) (٣) (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا) جاهلنا (عَلَى اللهِ شَطَطاً) (٤) غلوا في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ) مخففة أي أنه (لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً) (٥) بوصفه بذلك حتى تبينا كذبهم بذلك ، قال تعالى (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ) يستعيذون (بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ) حين ينزلون في
____________________________________
الوقت ، قد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، فقال بعضهم لبعض : ما ما ذاك إلا من شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتنظروا ، ما الذي حال بيننا وبين السماء ، حتى منعنا بالشهب ، فانطلق جماعة منهم. فمروا بالنبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه وهو يصلي الصبح يقرأ فيها سورة الرحمن ، وقيل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وكان ببطن نخل قاصدين سوق عكاظ. فلما سمعوا القرآن قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) الخ. قوله : (بين مكة والطائف) بينه وبين مكة مسيرة ليلة. قوله : (في فصاحته) في بمعنى من ، فهو يدل مما قبله ، أو هي سببية. قوله : (وغزارة معانيه) أي كثرتها. قوله : (وغير ذلك) كالإخبار بالمغيبات.
قوله : (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) هذا يدل على أنهم كانوا مشكركين ، وروي أنهم كانوا يهودا ، وقيل : إن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين. قوله : (وفي الموضعين بعده) أي وهما وأنه كان يقول أنه كان رجال ، واسم كان ضمير الشأن ، والجملة بعدها خبرها ، وهي واسمها وخبرها خبر أن. قوله : (جَدُّ رَبِّنا) الجد يطلق على معان ، منها العظمة وهي المرادة هنا ، ومنها الغنى والحظ ، ومنه : ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ومنها أبو الأب ، وأما الجد بالكسر فهو السرعة في الشيء ضد التأني. قوله : (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) هذه الجملة مفسرة لما قبلها.
قوله : (وَأَنَّا ظَنَنَّا) الخ ، اعتذار من هؤلاء النفر ، عما صدر منهم قبل الإيمان من الشرك ، وإيضاحه أنهم يقولون : إنا ظننا واعتقدنا أن احدا لا يكذب على الله ، وأن ما قاله سفهاؤنا من نسبة الصاحبة والولد إليه حق وصدق ، فلما سمعنا القرآن أسلمنا وعلمنا أنه كذب. قوله : (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن مضمر ، والجملة المنفية خبرها. قوله : (كَذِباً) نعت مصدر محذوف ، أي قولا كذبا. قوله : (بوصفه بذلك) أي بالصاحبة والولد. قوله : (حتى تبينا كذبهم) أي ظهر لنا. قوله : (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن هذه المقالة والتي بعدها من كلامه تعالى ؛ مذكورتان في خلال كلام الجن المحكي عنهم ، وهو احد قولين ، وقيل : إنهما أيضا من كلام الجن.
قوله : (كانَ رِجالٌ) أي في الجاهلية. قوله : (حين ينزلون) الخ ، أي وذلك أن العرب كانوا إذا نزلوا واديا ، عبثت بهم الجن في بعض الأحيان ، لأنهم كانوا لا يتحصنون بذكر الله ، وليس لهم دين صحيح ، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم ، فكان الرجل يقول عند نزوله : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح ، فلا يرى إلا خيرا ، وربما هدوه إلى
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
