أولى الانطباعات السياسية (١) التي تبرزها رحلة الجعيدي هي المكانة المرموقة التي كانت تحظى بها الدولة المغربية في أوربا بالذات ، لاعتبارات تاريخية وجيوسياسية واقتصادية ، فلقد حظيت السفارة المغربية بالكثير من الاعتبار والتقدير والاحترام من لدن الأوربيين ، خاصة في بلجيكا الدولة الفتية التي تسعى إلى ربط المزيد من علاقات الود والصداقة مع السلطان المغربي قصد تنمية مبادلاتها التجارية والعسكرية معه ، فالجعيدي يصف لنا حرارة الاستقبال الذي خصهم به ملكها (٢) «... حتى أنه قال : إنه يرجو الله أن يشرح صدورنا لبلده حتى نقيم فيها في عافية وراحة ويأذن في المسير للفابريكات التي بداخل المدينة (بروكسيل) وخارجها ، وزور الأماكن التي تصنع فيها العدة والسلاح. ونستوعب ذلك كله بحول الله ...».
أما في أنجلترا فقد خصتهم ملكتهم وإمبراطورة الهند ، بالتفاتة خاصة ، فإبان وصول السفارة المغربية لمدينة لندن ، وجدوا الملكة فكتوريا بنزلها الخاص Osborne House التي لها به العديد من الذكريات التي تربطها بزوجها الراحل ألبيرت ، والموجود بجزيرة Isle of Wight جنوب لندن ، قصد الراحة ومعالجة أحد أبنائها «... (٣) والعادة عندهم أنها إذا خرجت من البلاد لا تتلاقى مع أحد ممن يفد إليها حتى ترجع ، ووجدنا هناك باشدورات آخرين من الأتراك والهند ، سبقونا بنحو شهرين ، ولم يتلاقوا بها إلى الآن ، وكان ساءنا ذلك غاية ، وكان ولد باشدور أنجلترا يطلب من الباشدور الإكثار من الخروج للفرجات والملاقاة بالناس ، فكان يمتنع ويجيبه بقوله : إننا لم نات للفرجات ولا للملاقاة مع الناس الأجانب ، ولا غرض لي في ذلك حتى يتم الغرض الشريف الذي أتيت لأجله ، وبقي مصمما على ذلك حتى أذنت سلطانتهم بالطلوع إليها ...». هذا الموقف يبرز لنا مدى القوة التي كان يتمتع
__________________
(١) الرحلات السفارية كما هو معروف لا تحتوي على معلومات قيمة عن مهمة السفارة وأسبابها ، لأن الكاتب لا يتعرض في رحلته للغرض السياسي الرسمي الذي توجهت من أجله إلا سطحيا كما بين ذلك الجعيدي في رحلته «... لأنه يوجهه إليهم باشا دورا وسفيرا ، ويحمله أسرارا إليهم ...».
(٢) رحلة الجعيدي ، ص ٢١٥.
(٣) الرحلة ، ص ٢٨٦.
