قدم أثناءه صورة لملك إيطاليا (١) مهداة من صاحبها إلى ملك المغرب ، طلب هو الآخر أن تمر سفارة الزبيدي على بلاده ، وغادر فاس يوم تاسع يونيه سنة ١٨٧٦ م. وقد سجل كاتب السفارة الإيطالية دي أميسيس رحلته هذه ، وذكر أن عدد سكان المغرب على ذلك العهد ثمانية ملايين وأنه أوسع من فرنسا مساحة ... (٢). لهذا عمل الحسن الأول لمواجهة هذه الهجمة الأوربية المتسترة وراء الإصلاح على ضرب سفارة بسفارة أخرى ، بتغيير برنامج سفارة الزبيدي الأحادية إلى فرنسا ، إلى سفارة متعددة الاتجاهات ، مستغلا بذلك المنافسة الدولية لصالح استقلالية بلاده ، ولإخراج قضية الحماية القنصلية من إطارها الضيق إلى مجال الدراسة والتقنين ومن أجل تدويل القضية المغربية بأسرها ، والاستفادة من التناقضات التي كانت سائدة في صفوف القوى الأوربية لحسابه.
__________________
(١) إيطاليا قد أتمت وحدتها في نفس الوقت الذي تمت فيه الوحدة الألمانية بمساعدات أجنبية والتي انتهزت هي الأخرى هزيمة فرنسا سنة ١٨٧٠ م لتدخل جيوشها روما وتعلنها عاصمة الدولة الإيطالية الجديدة ، وأخذت تعالج مشاكلها ، حتى أخذت الدول الكبرى تعترف بها كأصغر وأضعف الدول الكبرى بعد مؤتمر برلين. وقد ذكر الجعيدي «أما التجارة فأمرها ضعيف هناك (إيطاليا) والله أعلم ...» في رحلته :
(٢) «... إن المغاربة لا يختلفون عن الأتراك من حيث العقيدة ، لكنهم لا يولون لسلطان القسطنطينية وللباب العالي إلا الاحترام الذي يفرضه الدين ، وعلى الصعيد السياسي والمدني فالمغاربة يتمتعون باستقلال كامل ... والمسلم المغربي يعيش حياة عزلة كثيرا ما تكون حياة فراغ ، كما أن القدرية تسيطر عليه بشكل مطلق الأمر الذي يجعل منه إنسانا عديم التبصر ، ويؤدي تعدد الزوجات إلى سيادة عدم الثقة في إطار العائلة ويجعل الاستبداد العائلي ضروريا ... مما يدفع إلى عدم الثقة وإلى التخوف من إظهار ثروته وإلى إخفائها ... ولذلك فإن المدح والإفراط في تكريم السفراء المغاربة ، لن يكون لها من مفعول في أحسن الأحوال ... وللمغرب نفس مناخ وتربة الأراضي الإسبانية .. لكن عند المقارنة بين البلدين تكون الغلبة لإسبانيا ... ونتمنى أن لا يتم إدخال الحضارة إلى المغرب بنفس الوسائل التي تمت محاولة إدخالها إلى تركيا ، وهي محاولة باءت بالفشل ...» تعليق بجريدة (جنوة في ٣١ غشت ١٨٧٦) Digenova Gazetta معتمدة على كتاب دي اميسيس.
