وقال (ولمّا جاءهم كتب من عند الله مصدّق لّما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم مّا عرفوا كفروا به) [الآية ٨٩] فإن قيل فأين جواب (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم) قلت : «جوابه في القرآن كثير ، واستغني عنه في هذا الموضع إذ عرف معناه. كذلك جميع الكلام إذا طال تجيء فيه أشياء ليس لها أجوبة في ذلك الموضع ويكون المعنى مستغنى به نحو قول الله عزوجل (ولو أنّ قرءانا سيّرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلّم به الموتى بل لّلّه الأمر جميعا) [الرّعد : الآية ٣١] فيذكرون أن تفسيره : «لو سيّرت الجبال بقرآن غير هذا لكان هذا القرآن ستسيّر به الجبال» فاستغني عن اللّفظ بالجواب إذ عرف المعنى. وقال (ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) [آل عمران : ١٨٨] ولم يجىء ل «تحسبنّ» الأول بجواب وترك للاستغناء بما في القرآن من الأجوبة. وقال (ولا يحسبنّ الّذين يبخلون بماءاتاهم الله من فضله هو خيرا لّهم) [آل عمران : الآية ١٨٠] معناه «لا يحسبنّه خيرا لهم» وحذف ذلك الكلام وكان فيما بقي دليل على المعنى. ومثله (وإذا قيل لهم اتّقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلّكم ترحمون) [يس : ٤٥] ثم قال (وما تأتيهم مّنءاية) [يس : الآية ٤٦] من قبل أن يجيء بقوله «فعلوا كذا وكذا» لأن ذلك في القرآن كثير ، استغني به. وكان في قوله (وما تأتيهم مّنءاية مّنءايت ربّهم إلّا كانوا عنها معرضين) (٤) [الأنعام : الآية ٤] دليل على أنّهم أعرضوا فاستغني بهذا وكذلك جميع ما جاز فيه نحو هذا.
وقال (فإذا جاء وعد الأخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة وليتبّروا ما علوا تتبيرا) [الإسراء : الآية ٧] وقال (ليتبروا) على معنى : «خلّيناهم وإيّاكم لم نمنعكم منهم بذنوبكم». وقال (ليسئوا وجوهكم) [الإسراء : الآية ٧] ولم يذكر أنه خلاهم وإياهم على وجه الترك في حال الابتلاء بما أسلفوا ثم لم يمنعهم من أعدائهم أن يسلطوا عليهم بظلمهم. وقال (ولو ترى إذ الظّلمون فى غمرت الموت) [الأنعام : الآية ٩٣] فليس لهذا جواب. وقال (ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب) [البقرة : الآية ١٦٥] فجواب هذا إنما هو في المعنى ، وهذا كثير. وسنفسر كل ما مررنا به إن شاء الله. وزعموا أن هذا البيت ليس له جواب : [الطويل]
|
١٢٢ ـ ودوّيّة قفر تمشّى نعامها |
|
كمشي النّصارى في خفاف الأرندج (١) |
__________________
(١) البيت للشماخ في ديوانه ص ٨٣ ، والدرر ٤ / ١٣٠ ، وسرّ صناعة الإعراب ص ٦٤٩ ، والكتاب ٣ / ١٠٤ ، ولسان العرب (ردج) ، (دوا) ، (مشى) ، والمعاني الكبير ١ / ٣٤٦ ، وهمع الهوامع ٢ / ٢٨.
