.................................................................................................
______________________________________________________
فإن قلت : إنّ وجوب دفع الضرر المقطوع به أو المظنون وإن كان متّجها ، إلّا أنّ دعوى وجوب دفع الضرر المحتمل غير مسلّمة ، كيف وبناء العقلاء على عدم الاعتناء به ، ولذا يسافرون إلى البلاد النائية ويركبون السفن في البحار الغامرة مع احتمال التعب في الطريق. وعليه بناء العلماء أيضا في باب السفر والتيمّم ، ولذا لا يفتون بوجوب الإتمام والصوم في السفر المحتمل للضرر ، وبوجوب التيمّم مع احتمال الضرر في الوضوء أو الغسل.
قلت : إنّ من تتّبع العقل وطريقة العقلاء يجد حقّية ما ادّعيناه من وجوب التحرّز عن الضرر المحتمل بل الموهوم كما هو محلّ الكلام ، ولذا لو أخبر صبيّ بوجود سبع في البيت أو بكون إناء مسموما لا يقدم عاقل على دخول البيت وشرب الإناء وإن كان مظنون الكذب في إخباره. وأمّا ما ترى من إقدامهم على الضرر المحتمل في بعض الموارد ، فهو إمّا لعدم مبالاتهم بحكم العقل ، أو لأجل معارضة الضرر المحتمل بما هو أهمّ منه في نظرهم من المنافع المقصودة لهم ، كما في سفر التجارة إلى بلاد بعيدة المسافة. بل الحقّ أنّ عدم اعتنائهم بالضرر المحتمل في امور الدنيا إنّما هو لأجل المعارضة وعدم إجداء ترك بعض الامور الذي يحتمل فيه الضرر واختيار أمر آخر ، لاحتمال الضرر في جميعها من وجوه شتّى. فإذا ترك السفر لاحتمال التعب فيه وأقام في بلده ، يحتمل الضرر فيه أيضا من جهة احتمال انهدام بيت أو سقوط حائط أو ضرب عدوّ أو نحو ذلك. فحيث مسّت حاجة العقلاء إلى اختيار قانون ينتظم به أمر معاشهم ، فبنوا في امور الدنيا على ظنّ السلامة وعدم الاعتناء باحتمال الضرر إلّا من باب الاحتياط ، بخلاف الضرر الاخروي المحتمل في المقام ، لعدم المعارض له بالفرض.
فإن قلت : كيف تدّعي عدم المعارض فيه ، والعمل بالظنّ يحتمل فيه الوجوب والحرمة ؛ لفتوى الجملة بكلّ منهما ، ففي كلّ من العمل به وتركه احتمال العقاب؟!.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
