(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (٤٢)
الغاية (مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) مما يحكم العقل بصحته وتصلح (١) النفس بأسوته (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) مطرودا من الرحمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليهالسلام ، أولها لا تجعل مع الله إلها آخر وآخرها مدحورا ، ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك ، لأنّ التوحيد رأس كلّ حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمة ، وإن بذّ (٢) فيها الحكماء وحكّ بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهو عن دين الله أضلّ من النّعم.
ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات الله بقوله :
٤٠ ـ (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) الهمزة للإنكار ، يعني أفخصّكم ربّكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون (وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) واتخذ أدونهم وهي البنات ، وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم ، فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها ، ويكون أردؤها وأدونها للسادات (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً) حيث أضفتم إليه الأولاد وهي من خواص الأجسام ، ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون.
٤١ ـ (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ) أي التنزيل ، والمراد ولقد صرّفناه (٣) أي هذا المعنى في مواضع من التنزيل ، فترك الضمير لأنه معلوم (لِيَذَّكَّرُوا) وبالتخفيف حمزة وعليّ ، أي كررناه ليتعظوا (وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) عن الحق ، وكان الثوري إذا قرأها يقول : زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا.
٤٢ ـ (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ) مع الله (آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) (٤) وبالياء مكي وحفص (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) يعني لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة
__________________
(١) في (ظ) تصح.
(٢) البذّ : الغلبة.
(٣) في (ظ) صرفنا.
(٤) في مصحف النسفي «تقولون» بالتاء وهي قراءة.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
