(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) (٤٨)
قبله ، وإنما نصب كيف بقوله (فَعَلْنا بِهِمْ) أي أهلكناهم وانتقمنا منهم (وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم ، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكلّ ظالم.
٤٦ ـ (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ، وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام (وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ) وهو مضاف إلى الفاعل كالأول ، والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه ، أو إلى المفعول أي عند الله مكرهم الذي يمكرهم به ، وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) بكسر اللام الأولى ونصب الثانية ، والتقدير وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلىاللهعليهوسلم فعبّر عن النبي عليهالسلام بالجبال لعظم شأنه ، وكان تامة ، وإن نافية واللام مؤكدة لها كقوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ) (١) والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم ، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا ، دليله قراءة ابن مسعود وما كان مكرهم ، وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليّ ، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أمكانها ، فإن مخففة من إنّ واللام مؤكدة.
٤٧ ـ (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) يعني قوله : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) (٢) (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (٣) مخلف مفعول ثان لتحسبنّ ، وأضاف مخلف إلى وعده وهو المفعول الثاني له والأول رسله ، والتقدير مخلف رسله وعده ، وإنما قدّم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله : (إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٤) ثم قال رسله ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) غالب لا يماكر (ذُو انتِقامٍ) لأوليائه من أعدائه.
٤٨ ـ وانتصاب (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) على الظرف للانتقام ، أو على إضمار اذكر ، والمعنى يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير
__________________
(١) الأنفال ، ٨ / ٣٣.
(٢) غافر ، ٤٠ / ٥١.
(٣) المجادلة ، ٥٨ / ٢١.
(٤) آل عمران ، ٣ / ٩. الرعد ، ١٣ / ٣١.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
