(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (٣٧)
احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها) لا تطيقوا عدّها وبلوغ آخرها ، هذا إذا أرادوا أن يعدّوها على الإجمال ، وأما التفصيل فلا يعلمه إلّا الله (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ) بظلم النعمة بإغفال شكرها (كَفَّارٌ) شديد الكفران لها ، أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم ، والكفران من يوجدان منه.
٣٥ ـ (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) واذكر إذ قال إبراهيم (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) أي البلد الحرام (آمِناً) ذا أمن ، والفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها ، وفي الثاني أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن ، كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا (وَاجْنُبْنِي) وبعّدني ، أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها ، كما قال : (وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) (١) أي ثبّتنا على الإسلام (وَبَنِيَ) أراد بنيه من صلبه (أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) من أن نعبد الأصنام.
٣٦ ـ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) جعلن مضلّات على طريق التسبيب ، لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ فكأنهنّ أضللنهم (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي وكان حنيفا مسلما مثلي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي (وَمَنْ عَصانِي) فيما دون الشرك (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أو ومن عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن.
٣٧ ـ (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه (بِوادٍ) هو وادي مكة (٢) (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) لا يكون فيه شيء من زرع قط (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) هو بيت الله سمّي به لأنّ الله تعالى حرّم التعرض له ، والتهاون به ، وجعل ما حوله حرما لمكانه ، أو لأنه لم يزل ممنعا يهابه كلّ جبار ، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحلّ انتهاكها ، أو لأنه حرّم على الطّوفان أي منع منه ، كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) اللام متعلقة بأسكنت أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلّا
__________________
(١) البقرة ، ٢ / ١٢٨.
(٢) في (ز) هو واد مكة.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
