(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٣٩)
شهر آخر ، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شقّ عليهم ترك المحاربة ، فيحلّونه ويحرّمون مكانه شهرا آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، فكانوا يحرّمون من بين شهور العام أربعة أشهر (زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) أي هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم (يُضَلُ) كوفي غير أبي بكر (بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالنسيء ، والضمير في (يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) للنسيء ، أي إذا أحلّوا شهرا من الأشهر الحرم عاما رجعوا فحرّموه في العام القابل (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ) ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها ، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين ، واللام تتعلق بيحلّونه ويحرّمونه ، أو بيحرّمونه فحسب ، وهو الظاهر (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ) أي فيحلّوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرّم الله من القتال ، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ) زيّن الشيطان لهم ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) حال اختيارهم الثبات على الباطل.
٣٨ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا) اخرجوا (فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ) تثاقلتم وهو أصله إلّا أنّ التّاء أدغمت في الثاء ، فصارت ثاء ساكنة ، فدخلت ألف الوصل لئلّا يبتدأ بالساكن ، أي تباطأتم (إِلَى الْأَرْضِ) ضمّن معنى الميل والإخلاد فعدّى بإلى ، أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاقّ السفر ومتاعبه ، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم ، وكان ذلك في غزوة تبوك ، استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشّقّة وكثرة العدوّ ، فشقّ عليهم ذلك ، وقيل ما خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم في غزوة إلّا ورّى عنها بغيرها إلّا في غزوة تبوك ليستعدّ الناس تمام العدة (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) بدل الآخرة (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ) في جنب الآخرة (إِلَّا قَلِيلٌ).
٣٩ ـ (إِلَّا تَنْفِرُوا) إلى الحرب (يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً) سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين ، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
