(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٣٧)
فلما حذفت النار قيل يحمى لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها ، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير ، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير (فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) وخصّت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمّهم وإياه مجلس ازورّوا (١) عنه وتولّوا بأركانهم وولّوه ظهورهم ، أو معناه يكوون على الجهات الأربع : مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم (٢) (هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) يقال لهم هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضرّ به أنفسكم ، فهو توبيخ (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه ، أو وبال كونكم كانزين.
٣٦ ـ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) من غير زيادة ، والمراد بيان أنّ أحكام الشرع تبتنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلّة دون الشمسية (فِي كِتابِ اللهِ) فيما أثبته وأوجبه من حكمته ، أو في اللوح (يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ثلاثة سرد : ذو القعدة للقعود عن القتال ، وذو الحجّة للحجّ والمحرّم لتحريم القتال فيه وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه أي لتعظيمه (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي الدين المستقيم لا ما يفعله أهل الجاهلية ، يعني أنّ تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين إبراهيم وإسماعيل ، وكانت العرب تمسكت به ، فكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى أحدثت النسيء فغيروا (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَ) في الحرم ، أو في الاثني عشر (أَنْفُسَكُمْ) بارتكاب المعاصي (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) حال من الفاعل أو المفعول (كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) جميعا (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) أي ناصر لهم ، حثّهم على التقوى بضمان النّصرة لأهلها.
٣٧ ـ (إِنَّمَا النَّسِيءُ) بالهمزة مصدر نسأه إذا أخّره ، وهو تأخير حرمة الشهر إلى
__________________
(١) ازورّوا : عدلوا.
(٢) في (أ) ومواخيرهم.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
