وقوله سبحانه : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ) عطف على قوله : (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ، وقرأ عاصم وحده ؛ في رواية أبي بكر «يمسكون» (١) ـ بسكون الميم ، وتخفيف السين ـ ، وقرأ الأعمش (٢) : «والّذين استمسكوا».
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(١٧٤)
وقوله عزوجل : (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) ، (نَتَقْنَا) : معناه : اقتلعنا ورفعنا ، وقد تقدّم قصص الآية في «البقرة» ، وقوله سبحانه : (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) ، أي : تدبّروه واحفظوا أوامره ونواهيه ، فما وفّوا.
وقوله سبحانه : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ...) الآية ، قوله : (مِنْ ظُهُورِهِمْ) قال النّحاة : هو بدل اشتمال من قوله : (مِنْ بَنِي آدَمَ) ، وتواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم من طرق : «أن الله عزوجل استخرج من ظهر آدم عليهالسلام نسم بنيه ، ففي بعض الروايات كالذّرّ ، وفي بعضها : كالخردل».
وقال محمد بن كعب : إنها الأرواح (٣) جعلت لها مثالات ، وروي عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «أخذوا من ظهر آدم ؛ كما يؤخذ بالمشط من الرّأس (٤) ،
__________________
(١) وقراءة أبي بكر من الإمساك ، أي : يأخذون بما فيه من حلال وحرام. وحجته قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة : ٤] ، وقوله : (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب : ٣٧] ولم يقل : مسّك. ينظر : «السبعة» (٢٩٧) ، و «الحجة» (٤ / ١٠٢ ـ ١٠٣) ، و «إعراب القراءات» (١ / ٢١٤) ، و «حجة القراءات» (٣٠١) ، و «شرح الطيبة» (٤ / ٣١٤) ، و «العنوان» (٩٨) ، و «معاني القراءات» (١ / ٤٢٨) ، و «شرح شعلة» (٣٩٨)
(٢) وقرأ بها عبد الله ، كما في «الكشاف» (٢ / ١٧٥) ، وينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٤٧٣) ، و «البحر المحيط» (٤ / ٤١٦) ، و «الدر المصون» (٣ / ٣٦٨)
(٣) أخرجه الطبري (٦ / ١١٦) برقم : (١٥٣٨٧) ، والسيوطي (٣ / ٢٥٩)
(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣ / ٢٥٩) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، واللالكائي في «السنة».
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
