طلب أن يثير في نفسه سبب التسلّي عنهم ، فجعل يعدّد معاصيهم وإعراضهم ، ثم
قال لنفسه لمّا نظر وفكّر : (فَكَيْفَ آسى عَلى
قَوْمٍ كافِرِينَ) ، ونحو هذا قوله صلىاللهعليهوسلم لأهل قليب بدر ، وأسى معناه : أحزن.
/ قال مكّيّ :
وسار شعيب بمن معه حتّى سكن مكّة إلى أن ماتوا بها (١).
وقوله سبحانه :
(وَما أَرْسَلْنا فِي
قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أخبر سبحانه أنّه ما بعث نبيّا في قرية ، وهي المدينة
إلّا أخذ أهلها المكذّبين له (بِالْبَأْساءِ) وهي المصائب في المال ، وعوارض الزّمن (وَالضَّرَّاءِ) وهي المصائب في البدن ؛ كالأمراض ونحوها ، (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أي : ينقادون إلى الإيمان ، وهكذا قولهم : الحمّى
أضرعتني لك ، (ثُمَّ بَدَّلْنا
مَكانَ السَّيِّئَةِ) ، وهي البأساء والضرّاء (الْحَسَنَةَ) ، وهي السرّاء والنّعمة (حَتَّى عَفَوْا) : معناه : حتى كثروا ، يقال : عفا النبات والرّيش ؛ إذا
كثر نباته ؛ ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «أحفوا الشّوارب ، وأعفوا اللّحى» (٢) ولما بدّل الله حالهم بالخير ؛ لطفا بهم فنموا ، رأوا
أن إصابة الضّرّاء والسّرّاء إنما هي بالاتفاق ، وليست بقصد ؛ كما يخبر به النبيّ
، واعتقدوا أنّ ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم ، فجعلوه
__________________
(١) ذكره ابن عطية (٢ / ٤٣١)
(٢) أخرجه مالك (٢ / ٩٤٧) كتاب «الشعر» باب : السنة في الشعر ، حديث (١) ،
والبخاري (١٠ / ٣٥١) كتاب «اللباس» باب إعفاء اللحى ، حديث (٥٨٩٣) ، ومسلم (١ /
٢٢٢) كتاب «الطهارة» باب : خصال الفطرة ، حديث (٥٢ ، ٥٣ / ٢٥٩) ، وأبو داود (٢ /
٤٨٣) كتاب «الترجل» ، باب : في أخذ الشارب ، حديث (٤١٩٨) ، والترمذي (٥ / ٩٥) كتاب
«الأدب» باب : ما جاء في إعفاء اللحية ، حديث (٢٧٦٣ ، ٢٧٦٤) ، والنسائي (١ / ١٦)
كتاب «الطهارة» باب : إحفاء الشارب وإعفاء اللحى ، حديث (١٥) ، وفي (٨ / ١٨١ ـ ١٨٢)
كتاب «الزينة» باب : إحفاء الشوارب وإعفاء اللحية ، حديث (٥٢٢٦) ، وأبو عوانة (١ /
١٨٩) ، وابن أبي شيبة (٨ / ٣٧٦) ، وابن المنذر في «الأوسط» (١ / ٢٣٩) ، والطحاوي
في «شرح معاني الآثار» (٤ / ٢٣٠) ، والبيهقي (١ / ١٥١) كتاب «الطهارة» وفي «الآداب»
برقم : (٨٣٠) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦ / ٢٤٧) ، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (١
/ ٣٧٥) برقم : (٨٦٣) ، والبغوي في «شرح السنة» (٦ / ٢١٩ بتحقيقنا) من طرق عن نافع
، عن ابن عمر به.