وخالق النّاس بخلق حسن» (١) ؛ و «خير الأمور أوساطها» ، وقوله : «أحبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما» ، وقوله : «الظّلم ظلمات يوم القيامة» ، وقوله في بعض دعائه : «اللهمّ ، إنّي أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ، وتجمع بها أمري ، وتلمّ بها شعثي (٢) ، وتصلح بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكّي بها عملي ، وتلهمني بها رشدي ، وتردّ بها ألفتي ، وتعصمني بها من كلّ سوء ، اللهمّ ، إنّي أسألك الفوز في القضاء ، ونزل الشّهداء ، وعيش السّعداء ، والنّصر على الأعداء» ، إلى غير ذلك من بيانه ، وحسن كلامه ممّا روته الكافّة مما لا يقاس به غيره ، وحاز فيه سبقا لا يقدر قدره ؛ كقوله : «السّعيد من وعظ بغيره ، والشّقيّ من شقي في بطن أمّه» ؛ في أخواتها مما يدرك الناظر العجب في مضمّنها ، ويذهب به الفكر في أداني حكمها ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «بيد أنّي من قريش ، ونشأت في بني سعد» ، فجمع الله له بذلك قوّة عارضة البادية وجزالتها ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها ، إلى التأييد الإلهيّ الذي مدده الوحي ، الذي لا يحيط بعلمه بشريّ. انتهى. وبالجملة فليس بعد بيان الله ورسوله بيان لمن عمّر الله قلبه بالإيمان.
وقوله سبحانه : (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...) الآية : تهديد لكفّار مكّة ونصب السيئات ب (مَكَرُوا) وعدّي (مَكَرُوا) لأنه في معنى عملوا ، قال البخاريّ : قال ابن عباس : (فِي تَقَلُّبِهِمْ) ، أي : في اختلافهم (٣) انتهى.
وقال المهدويّ : قال قتادة : (فِي تَقَلُّبِهِمْ) : في أسفارهم (٤) ، الضّحّاك : (فِي تَقَلُّبِهِمْ) : بالليل انتهى.
وقوله : (عَلى تَخَوُّفٍ) ، على جهة التخوّف ، والتخوّف التنقّص ، وروي أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خفي عليه معنى التخوّف في هذه الآية ، وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك ، فيروى أنه جاءه فتى من العرب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ أبي يتخّوفني مالي ، فقال عمر : الله أكبر! (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ) (٥) ، ومنه قول النابغة : [الطويل]
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أي : تجمع بها ما تفرق من أمري.
ينظر : «النهاية» (٢ / ٤٧٨)
(٣) أخرجه الطبري (٧ / ٥٩٠) برقم : (٢١٦١٣) ، وذكره البغوي (٣ / ٧٠) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤ / ٢٢٣) ، وعزاه لابن جرير ، وابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري (٧ / ٥٩٠) برقم : (٢١٦١٥) ، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٢ / ٥٧١) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤ / ٢٢٣) ، وعزاه لعبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري (٧ / ٥٩١) برقم : (٨ / ٢١٦) بنحوه ، وذكره ابن عطية (٣ / ٣٩٦) ، والسيوطي في «الدر ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
