من السّيّئات ؛ قاله جماعة المفسّرين ؛ لا خلاف في ذلك ، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان ، وجاءت العبارة في الحسنات ب «لها» ؛ من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ، ويسر المرء بها ، فتضاف إلى ملكه ، وجاءت في السيئة ب «عليها» ؛ من حيث هي أوزار ، وأثقال ، ومتحملات صعبة ؛ وهذا كما تقول : لي مال ، وعليّ دين ، وكرّر فعل الكسب ، فخالف بين التصريفين حسنا لنمط الكلام ؛ كما قال : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) [الطارق : ١٧] هذا وجه.
* ع (١) * : والذي يظهر لي في هذا أنّ الحسنات ممّا يكسب دون تكلّف ؛ إذ كاسبها على جادّة أمر الله ، ورسم شرعه ، والسيّئات تكتسب ؛ ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ، ويتخطّاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين لهذا المعنى.
وقال المهدويّ وغيره : معنى الآية : لا يؤاخذ أحد بذنب أحد (٢) ؛ قال* ع (٣) * : وهذا صحيح في نفسه ، لكن من غير هذه الآية.
وقوله تعالى : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا) : معناه : قولوا ، واختلف الناس في معنى قوله سبحانه : (إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) ، فذهب كثير من العلماء إلى أنّ هذا الدعاء في النسيان الغالب ، والخطإ غير المقصود ، وهو الصحيح عندي ، قال قتادة في تفسير الآية : بلغني أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إنّ الله تعالى تجاوز لأمّتي عن نسيانها وخطئها» ، وقال السّدّيّ : لما نزلت هذه الآية ، فقالوها ، قال جبريل للنّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «قد فعل الله ذلك ، يا محمّد» ، قال* ع (٤) * : فظاهر قوليهما ما صحّحته ؛ وذلك أن المؤمنين ، لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى : (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) [البقرة : ٢٨٤] ، أمروا بالدعاء في ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه ، وذلك في النسيان ، والخطإ ، والإصر الثقيل ، وما لا يطاق على أتمّ أنواعه ، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق ؛ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في ألّا يقع هذا الجائز الصّعب. ومذهب أبي الحسن الأشعريّ (٥) وجماعة من
__________________
(١) ينظر : المصدر السابق.
(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١ / ٣٩٣)
(٣) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٣٩٣)
(٤) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٣٩٤)
(٥) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى ، الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والبصري ، إمام المتكلمين ، وناصر سنة سيد المرسلين ، ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
