الصدقة ، إنّما كان ليسلموا ، وليدخلوا في الدّين ، فقال الله سبحانه : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) ، قال* ع (١) * : وهذه الصدقة التي أبيحت لهم حسبما تضمّنته هذه الآثار ، إنما هي صدقة التطوّع ، وأما المفروضة ، فلا يجزىء دفعها لكافر ، قال ابن المنذر (٢) : إجماعا فيما علمت ، وقول المهدويّ : إباحتها هذه الآية مردود ، قال ابن العربيّ (٣) ، وإذا كان المسلم يترك أركان الإسلام من الصّلاة ، والصيام ، فلا تصرف إليه الصدقة ؛ حتّى يتوب ، وسائر المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها ؛ لدخولهم في اسم المسلمين. انتهى من «الإحكام» ، ويعني بالصدقة المفروضة ، والهدى الّذي ليس على نبيّنا صلىاللهعليهوسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم ، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه صلىاللهعليهوسلم ، وليس بمراد في هذه الآية.
ثم أخبر سبحانه ؛ أنه يهدي من يشاء ، وفي الآية ردّ على القدريّة وطوائف المعتزلة ، ثم بيّن تعالى ؛ أنّ النفقة المقبولة ما كان ابتغاء وجه الله.
وفي الآية تأويل آخر ، وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة ؛ أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله سبحانه ، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل ، (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) ، أي : في الآخرة ، وهذا هو بيان قوله : (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) ، والخير هنا : المال / ؛ بقرينة الإنفاق ، ومتى لم يقترن بما يدلّ على أنّه المال ، فلا يلزم أن يكون بمعنى ٧١ أالمال ، وهذا الذي قلناه تحرّزا من قول عكرمة : كلّ خير في كتاب الله ، فهو المال (٤).
وقوله تعالى : (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ...) الآية : التقدير : الإنفاق أو الصدقة للفقراء ، قال مجاهد وغيره : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم (٥).
__________________
(١) ذكره ابن عطية (١ / ٣٦٧)
(٢) محمد بن إبراهيم بن المنذر ، أبو بكر النيسابوري الفقيه ، نزيل مكة أحد الأئمة الأعلام ، وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام ، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام ، منها «الإشراف في معرفة الخلاف» ، و «الأوسط» وهو أصل الإشراف ، والإجماع والإقناع والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدا لا يقلد أحدا. ينظر : «طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة» (١ / ٩٨) ، «طبقات الشافعية للسبكي» (٢ / ١٢٦) ، «وفيات الأعيان» (٣ / ٣٤٤) ، «شذرات الذهب» (٢ / ٢٨٠)
(٣) ينظر : «أحكام القرآن» (١ / ٢٣٨)
(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١ / ٣٦٨)
(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ٩٦ ، ٦٢١٠) بنحوه ، وابن عطية في «تفسيره» (١ / ٣٦٨) وابن كثير في «تفسيره» (١ / ٣٢٤)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
