السلام ـ أحرى ألّا يشكّ ، فالحديث مبنيّ على نفي الشكّ عن إبراهيم ، والذي روي فيه عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم ؛ أنّه قال : «ذلك محض الإيمان» (١) ؛ إنما هو في الخواطر الجارية الّتي لا تثبت ، وأما الشّكّ ، فهو توقّف بين أمرين ، لا مزية لأحدهما على الآخر ، وذلك هو المنفيّ عن الخليل صلىاللهعليهوسلم.
وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع ، وقد كان إبراهيم أعلم بذلك ؛ يدلّك على ذلك قوله : (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة : ٢٥٨] ، والشكّ يبعد على من ثبت قدمه في
__________________
ـ والطبري في تفسيره بأرقام (٥٩٧٣) ، (٥٩٧٣) ، (١٩٣٩٩) ، (١٩٤٠٠) ، وأحمد (٢ / ٣٢٦) ، وابن حبان (٦٢٠٨) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١ / ١٣٤) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (٥٠٧) ، وابن منده في «الإيمان» (٣٦٩ ، ٣٧٠ ، ٣٧١) ، والبغوي في «شرح السنة» (١ / ١٢٣ ـ بتحقيقنا). كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا.
قال البغوي في «شرح السنة» (١ / ١٢٤) : حكي عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال : لم يشك النبي ، ولا إبراهيم (صلوات الله عليهما) في أن الله قادر على أن يحيي الموتى ، وإنما شكّا أن يجيبهما إلى ما سألاه ، ومما يؤيد هذا الذي ذكره المزني ما روي عن ابن عباس في قوله عزوجل : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال : أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك ، وتعطيني إذا سألتك.
قال أبو سليمان الخطّابي : ليس في قوله : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه ، ولا على إبراهيم ، لكن فيه نفي الشك عنهما ، يقول : إذا لم أشك أنا ، ولم أرتب في قدرة الله (عزوجل) على إحياء الموتى ، فإبراهيم أولى بأن لا يشك ولا يرتاب ، وقال ذلك على سبيل التواضع ، والهضم من النفس ، وفيه الإعلام أن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة شك ، لكن من قبل زيادة العلم ؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال ، وقوله : (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، أي : بيقين النظر.
(١) أخرجه مسلم (١ / ١١٩) : كتاب «الإيمان» ، باب بيان الوسوسة في الإيمان ، وما يقوله من وجدها ، حديث (٢١١ / ١٣٣) ، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» ، كما في «تحفة الإشراف» (٧ / ١٠٧) ، وأبو عوانة (١ / ٧٩) ، وابن حبان (١٤٩ ـ الإحسان) ، وابن منده في «الإيمان» (٣٤٧) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢ / ٢٥١) ؛ والبغوي في «شرح السنة» (١ / ١٢٠ ـ بتحقيقنا). وكلهم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال : سألنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الرجل يجد الشيء ، لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال : ذلك محض ، أو صريح الإيمان. ا ه.
وقال ابن حبان : إذا وجد المسلم في قلبه ، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها ـ من كيفية الباري جل وعلا ، أو ما يشبه هذه ، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصريح ، وترك العزم على شيء منها ـ كان رده إياها من الإيمان ، لا أن خطرات مثلها من الإيمان.
وقال البغوي : قال أبو سليمان الخطابي : قوله صلىاللهعليهوسلم : «ذلك صريح الإيمان» معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم ، والتصديق به ، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان ، وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله ، فكيف يكون إيمانا صريحا.
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
