عائشة ـ رضي الله عنها ـ : «لو حرّم غير المسفوح ، لتتّبع النّاس ما في العروق ، ولقد كنّا نطبخ اللّحم ، والبرمة تعلوها الصّفرة». انتهى.
(وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ).
قال ابن عبّاس وغيره : المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان (١) ، و (أُهِلَّ بِهِ) : معناه صيح به ؛ ومنه : استهلال المولود ، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة ، وغلب ذلك في استعمالهم ؛ حتى عبر به عن النيّة التي هي علّة التحريم.
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) قال قتادة وغيره : غير قاصد فساد (٢) وتعدّ ؛ بأن يجد عن هذه المحرّمات مندوحة ، ويأكلها ، وأصحاب هذا القول يجيزون الأكل منها في كلّ سفر ، مع الضرورة ، وقال مجاهد وغيره : المعنى : غير باغ على المسلمين ، وعاد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قطّاع السبل ، والخارج على السلطان ، والمسافر في قطع الرحم ، والغارة على المسلمين ، وما شاكله ، ولغير هؤلاء : هي الرخصة (٣).
__________________
ـ * حديث أنس بن مالك :
أخرجه أحمد (٣ / ٢١٧) ، وأبو يعلى (٥ / ٣٨٢) رقم (٣٠٤٢). وابن حبان (١١١٩ ـ موارد) ، من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» (٩ / ٢١١ ـ ٢١٢) رقم (١٦٩٧٠) ، من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ : «قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشّحوم فباعوها ، وأكلوا أثمانها».
(١) أخرجه الطبري (٢ / ٩٠) برقم (٢٤٧٩ ـ ٢٤٨١) بإسنادين مختلفين عن ابن عباس بنحوه ، وذكره ابن عطية (١ / ٢٤٠) والسيوطي في «الدر» (١ / ٣٠٨) ، وعزاه لابن المنذر ، وابن جرير.
(٢) أخرجه الطبري (٢ / ٩٢) برقم (٢٤٩٥) بنحوه. وذكره ابن عطية في «التفسير» (١ / ٢٤٠) ، والبغوي في «التفسير» (١ / ١٤١) ، والسيوطي في «الدر» (١ / ٣٠٨) ، وعزاه لعبد بن حميد.
(٣) الرخصة (بسكون الخاء وحكي ضمها) في اللغة : التيسير والتسهيل. قال الجوهري : الرخصة في الأمر : خلاف التشديد فيه ، ومن ذلك رخص الشعر إذا سهل وتيسر.
وفي الاصطلاح : الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
وتنقسم الرخصة إلى أربعة أقسام :
الأول : الإيجاب ، ويمثل له بوجوب أكل الميتة للمضطر الثابت بقوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة : ١٩٥] مع قوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة : ١٧٣] على خلاف قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...) [المائدة : ٣] إلخ فهو رخصة ؛ لأنه حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر هو حفظ الحياة.
الثاني : الندب ، كقصر الصلاة الرباعية في السفر الثابت بقوله صلىاللهعليهوسلم : «صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته» على خلاف الدليل الموجب للإتمام ، وهو فعله صلىاللهعليهوسلم مع قوله صلىاللهعليهوسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي» المبين للعدد المطلوب في قوله تعالى : (أَقِيمُوا الصَّلاةَ).
الثالث : الإباحة ، كإباحة السلم الثابت بقوله صلىاللهعليهوسلم : «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
