وقرأ ابن عامر (١) : «هو مولّاها» ، أي : الله مولّيها إياهم ، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات ، والبدار ، إلى سبيل النجاة ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده ؛ أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «من فتح له باب من الخير فلينتهزه (٢) ، فإنّه لا يدري ، متى يغلق عنه». انتهى.
ثم وعظهم سبحانه بذكر الحشر موعظة تتضمّن وعيدا وتحذيرا.
* ص* : «أينما» ظرف مضمّن معنى الشرط في موضع خبر «كان». انتهى.
وقوله : (يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً) يعني به البعث من القبور.
وقوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) معناه : حيث كنت ، وأنى توجّهت من مشارق الأرض ، ومغاربها ، وكرّرت هذه الآية ؛ تأكيدا من الله سبحانه ؛ لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدّا ، فأكّد الأمر ؛ ليرى الناس التهمّم به ، فيخفّ عليهم وتسكن نفوسهم إليه.
وقوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ...) الآية : المعنى : عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم ، والحجة لذلك ؛ لئلّا يكون للناس عليكم حجة ، والمراد ب «النّاس» العموم في اليهود والعرب وغيرهم (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، أي : من المذكورين ممّن تكلّم في النازلة في قولهم : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) [البقرة : ١٤٢].
وقوله تعالى : (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ...) الآية : [فيه] تحقير لشأنهم ، وأمر باطراح أمرهم ، ومراعاة أمره سبحانه ، قال الفخر (٣) : وهذه الآية تدلّ على أن الواجب على المرء في كلّ أفعاله وتروكه ؛ أن ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى ، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخلق شيء البتّة وألّا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم. انتهى.
__________________
(١) وحجته في هذه القراءة أنه : قدر له أن يتولاها ، ولم يسند إلى فاعل بعينه ، فيجوز أن يكون «هو» كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه «كل». وهو الفاعل ، ويجوز أن يكون فاعل التولية «الله» ، و «هو» كناية عنه. والتقدير : ولكل ذي ملة قبلة الله موليها وجهه. ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله.
ينظر : «حجة القراءات» (١١٧) ، و «الحجة للقراء السبعة» (٢ / ٢٣٠) ، و «العنوان» (٧٢) ، و «شرح طيبة النشر» (٤ / ٧٤ ، ٧٥) ، و «شرح شعلة» (٢٧٨) ، و «معاني القراءات» (١ / ١٨١) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (١ / ٤٢٢)
(٢) النهزة : الفرصة ، وانتهزتها : اغتنمتها. ينظر : «النهاية» (٥ / ١٣٥)
(٣) «التفسير الكبير» (٤ / ١٢٧)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
